ثم وقفهم على السماوات هل لهم فيها شرك ، ثم استدعى منهم كتابا منزلا قبل القرآن يتضمن عبادة صنم.
وقوله : (أَوْ أَثارَةٍ) معناه : أو بقية قديمة من علم أحد العلماء يقتضي عبادة الأصنام. وقرأ جمهور الناس : «أو أثارة» على المصدر ، كالشجاعة والسماحة ، وهي البقية من الشيء كأنها أثره.
وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى من علم تستخرجونه فتثيرونه. وقال مجاهد : المعنى هل من أحد يأثر علما في ذلك. وقال القرظي : هو الإسناد ، ومن هذا المعنى قول الأعشى : [السريع]
|
إن الذي فيه تماريتما |
|
بيّن للسامع والآثر |
آثرا أي للسند عن غيره ، ومنه قول عمر رضي الله عنه : فما خلفنا بها ذاكرا ولا آثرا. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة : المعنى وخاصة من علم ، فاشتقاقها من الأثرة ، كأنها قد آثر الله بها من هي عنده ، وقال عبد الله بن العباس : المراد ب «الأثارة» : الخط في التراب ، وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهن به وتزجر ، وهذا من البقية والأثر ، وروي أن النبي عليهالسلام سئل عن ذلك فقال : «كان نبي من الأنبياء يخطه ، فمن وافق خطه فذاك» ، وظاهر الحديث تقوية أمر الخط في التراب ، وأنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه ، وهكذا تأوله كثير من العلماء. وقالت فرقة : بل معناه الإنكار ، أي أنه كان من فعل نبي قد ذهب ، وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك ، ثم قال : فمن وافق خطه على جهة الإبعاد ، أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك ، وهذا كما يسألك أحد فيقول : أيطير الإنسان؟ فتقول : إنما يطير الطائر ، فمن كان له من الناس جناحان طار ، أي أن ذلك لا يكون. والأثارة تستعمل في بقية الشرف فيقال : لبني فلان أثارة من شرف ، إذا كانت عندهم شواهد قديمة ، وتستعمل في غير ذلك ، ومنه قول الراعي : [الوافر]
|
وذات أثارة أكلت عليه |
|
نباتا في أكمتها قصارى |
يريد : الأثارة من الشحم ، أي البقية وقرأ عبد الرحمن السلمي فيما حكى الطبري : «أو أثرة» بفتح الهمزة والثاء والراء دون ألف ، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وقتادة وعكرمة وعمرو بن ميمون والأعمش ، وهي واحدة جمعها : أثر كقترة وقتر. وحكى الثعلبي أن عكرمة قرأ : «أو ميراث من علم». وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي فيما حكى أبو الفتح بسكون الثاء وهي الفعلة الواحدة مما يؤثر ، أي قد قنعت لكم حجة بخبر واحد أو أثر واحد يشهد بصحة قولكم. وقرأت فرقة : «أثرة» بضم الهمزة وسكون الثاء ، وهذه كلها بمعنى : هل عندكم شيء خصكم الله به من علم وآثركم به.
وقوله تعالى : (وَمَنْ أَضَلُ) الآية توبيخ لعبدة الأصنام ، أي لا أحد أضل ممن هذه صبغته ، وجاءت الكنايات في هذه الآية عن الأصنام كما تجيء عمن يعقل ، وذلك أن الكفار قد أنزلوها منزلة الآلهة وبالمحل الذي دونه البشر ، فخوطبوا على نحو معتقدهم فيها ، وفي مصحف عبد الله بن مسعود : «ما لا يستجيب». والضمير في قوله : (وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ) هو للأصنام في قول جماعة ، ووصف الأصنام بالغفلة من حيث عاملهم معاملة من يعقل ، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله : (وَهُمْ) وفي :
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
