شهادتهما بما عمل عليها من عمل صالح أو فاسد ، فالحديث على هذا حقيقة ، والكلام بإدراك وحياة يخلقها الله تعالى ، وأضاف الأخبار إليها من حيث وعتها وحصلتها ، وانتزع بعض العلماء من قوله تعالى: (تُحَدِّثُ أَخْبارَها) أن قول المحدث : حدثنا وأخبرنا سواء ، وقال الطبري وقوم : التحديث في الآية مجاز ، والمعنى أن ما تفعله بأمر الله من إخراج أثقالها وتفتت أجزائها وسائر أحوالها هو بمنزلة التحديث بأنبائها وأخبارها ، ويؤيد القول الأول قول النبي صلىاللهعليهوسلم : «فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» ، وقرأ عبد الله بن مسعود : «تنبئ أخبارها» ، وقرأ سعيد بن جبير: «تبين» وقوله تعالى : (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) الباء باء السبب ، وقال ابن عباس وابن زيد والقرظي المعنى : (أَوْحى لَها) ، وهذا الوحي على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحي إلهام ، ويحتمل أن يكون وحيا برسول من الملائكة ، وقد قال الشاعر :
|
أوحى لها القرار فاستقرت |
|
وشدها بالراسيات الثبت |
والوحي في كلام العرب إلقاء المعنى إلقاء خفيا ، وقال بعض المتأولين : (أَوْحى لَها) معناه : (أَوْحى) إلى ملائكته المصرفين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال ، وقوله تعالى : (لَها) بمعنى : من أجلها ومن حيث الأفعال فيها فهي لها ، وقوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً) بمعنى : يتصرفون موضع وردهم مختلفي الأحوال وواحد الأشتات : شت ، فقال جمهور الناس : الورد ، هو الكون في الأرض بالموت والدفن ، والصدر : هو القيام للبعث ، و (أَشْتاتاً) : معناه : قوم مؤمنون وقوم كافرون ، وقوم عصاة مؤمنون ، والكل سائر إلى العرض ليرى عمله ، ويقف عليه ، وقال النقاش : الورد هو ورد المحشر ، والصدر (أَشْتاتاً) : هو صدر قوم إلى الجنة ، وقوم إلى النار ، وقوله تعالى : (لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) إما أن يكون معناه جزاء أعمالهم يراه أهل الجنة من نعيم وأهل النار بالعذاب ، وإما أن يكون قوله تعالى : (لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) متعلقا بقوله : (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) ، ويكون قوله : (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً) اعتراضا بين أثناء الكلام ، وقرأ جمهور الناس : «ليروا» ، بضم الياء على بناء الفاعل للمفعول ، وقرأ الحسن والأعرج وحماد بن سلمة والزهري وأبو حيوة : «ليروا» بفتح الياء على بنائه للفاعل ، ثم أخبر تعالى أنه من عمل عملا رآه قليلا كان أو كثيرا ، فخرجت العبارة عن ذلك بمثال التقليل ، وهذا هو الذي يسميه أهل الكلام مفهوم الخطاب ، وهو أن يكون المذكور والمسكوت عنه في حكم واحد ، ومنه قوله تعالى : (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) [الإسراء : ٢٣] ، وهذا كثير ، وقال ابن عباس وبعض المفسرين : رؤية هذه الأعمال هي في الآخرة ، وذلك لازم من لفظ السورة وسردها ، فيرى الخير كله من كان مؤمنا ، والكافر لا يرى في الآخرة خيرا ، لأن خيره قد عجل له في الدنيا ، وكذلك المؤمن أيضا تعجل له سيئاته الصغار في دنياه في المصائب والأمراض ونحوها فيجيء من مجموع هذا أن من عمل من المؤمنين (مِثْقالَ ذَرَّةٍ) من خير أو شر رآه ، ويخرج من ذلك أن لا يرى الكافر خيرا في الآخرة. ومنه حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت : قلت يا رسول الله : أرأيت ما كان عبد الله بن جدعان يفعله من البر وصلة الرحم وإطعام الطعام ، أله في ذلك أجر؟ قال : «لا ، لأنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، يسمي هذه الآية الجامعة الفادة ، وقد نص على ذلك حين سئل عن الحمر الحديث ، وأعطى
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
