يوسم هذا الإنسان على أنفه بسمة حقيقة ، بل هذه عبارة عن فعل يشبه الوسم على الأنف. واختلف الناس في ذلك الفعل ، فقال ابن عباس : هو الضرب بالسيف أي يضرب في وجهه ، وعلى أنفه فيجيء ذلك الوسم على الأنف ، وحل ذلك به يوم بدر. وقال محمد بن يزيد المبرد : ذلك في عذاب الآخرة في جهنم ، وهو تعذيب بنار على أنوفهم. وقال آخرون ذلك في يوم القيامة ، أي يوسم على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره. وقال قتادة وغيره معناه : سنفعل به في الدنيا من الذم له والمقت والإشهار بالشر ما يبقى فيه ولا يخفى به فيكون ذلك كالوسم على الأنف ثابتا بينا ، وهذا المعنى كما تقول : سأطوقك طوق الحمامة ، أي أثبت لك الأمر بينا فيك ، ونحو هذا أراد جرير بقوله : [الكامل]
لما وضعت على الفرزدق ميسمي
وفي الوسم على الأنف تشويه ، فجاءت استعارته في المذمات بليغة جدا. وإذا تأملت حال أبي جهل ونظرائه وما ثبت لهم في الدنيا من سوء الأحدوثة رأيت أنهم قد وسموا على الخراطيم. وقوله تعالى : (إِنَّا بَلَوْناهُمْ) يريد قريشا ، أي امتحناهم ، و (أَصْحابَ الْجَنَّةِ) فيما ذكر قوم إخوة كان لأبيهم جنة وحرث مغل فكان يمسك منه قوته ، ويتصدق على المساكين بباقيه ، وقيل بل كان يحمل المساكين معه في وقت حصاده وجذه ، فيجذيهم منه فمات الشيخ ، فقال ولده : نحن جماعة وفعل أبينا كان خطأ ، فلنذهب إلى جنتنا ولا يدخلها علينا مسكين ، ولا نعطي منها شيئا ، قال : فبيتوا أمرهم وعزمهم على هذا ، فبعث الله عليها بالليل طائفا من نار أو غير ذلك ، فاحترقت ، فقيل : أصبحت سوداء ، وقيل : بيضاء كالزرع اليابس المحصود ، فلما أصبحوا إلى جنتهم لم يروها فحسبوا أنهم قد أخطؤوا الطريق ، ثم تبينوها فعلموا أن الله تعالى أصابهم فيها ، فتابوا حينئذ وأنابوا وكانوا مؤمنين من أهل الكتاب ، فشبه الله تعالى قريشا بهم ، في أنهم امتحنهم بمحمد صلىاللهعليهوسلم وهداه كما امتحن أولئك بفعل أبيهم وبأوامر شرعهم ، فكما حل بأولئك العقاب في جنتهم كذلك يحل بهؤلاء في جميع دنياهم وفي حياتهم ، ثم التوبة معرضة لمن بقي منهم كما تاب أولئك. وقال كثير من المفسرين : السنون السبع التي أصابت قريشا هي بمثابة ما أصاب أولئك في جنتهم. وقوله تعالى : (لَيَصْرِمُنَّها) أي ليجدنها ، وصرام النخل : جد ثمره وكذلك في كل شجرة ، و (مُصْبِحِينَ) معناه : إذا دخلوا في الصباح ، وقوله تعالى : (وَلا يَسْتَثْنُونَ) ولا يتوقفون في ذلك ، أو ولا ينثنون عن رأي منع المساكين ، وقال مجاهد معناه : لا يقولون إن شاء الله ، بل عزموا على ذلك عزم من يملك أمره ، والطائف : الأمر الذي يأتي بالليل ، ذكر هذا التخصيص الفراء ، ويرده قوله تعالى : (إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ) [الأعراف : ٢٠١] ، والصريم : قال الفراء ومنذر وجماعة : أراد به الليل من حيث اسودت جنتهم. وقال آخرون : أراد به الصبح من حيث ابيضت كالحصيد ، قاله سفيان الثوري : والصريم ، يقال لليل والنهار من حيث كل واحد منهما ينصرم من صاحبه ، وقال ابن عباس : الصريم ، الرماد الأسود بلغة جذيمة ، وقال ابن عباس أيضا وغيره : الصريم ، رملة باليمن معروفة لا تنبت فشبه جنتهم بها.
قوله عزوجل :
(فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
