الخصم ليفتي بأن هذا ظلم. وقالت فرقة : إن هذا كله هم به داود ولم يفعله ، وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك. وقال آخرون : إنما الخطأ في أن لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده ، إذ كان عنده أمر المرأة.
قال القاضي أبو محمد : والرواة على الأول أكثر ، وفي كتب بني إسرائيل في هذه القصة صور لا تليق ، وقد حدث بها قصاص في صدر هذه الأمة ، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : من حدث بما قال هؤلاء القصاص في أمر داود عليهالسلام جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله.
وقوله : (خَصْمانِ) تقديره : نحن خصمان ، وهذا كقول الشاعر : [الطويل]
|
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر |
|
وجاوزتما الحيين نهدا وخثعما |
|
نزيعان من جرم ابن زبان إنهم |
|
أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما |
ونحوه قال العرب في مثل : محسنة فهيلي ، التقدير : أنت محسنة ، ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم : «آئبون تائبون». و : (بَغى) معناه : اعتدى واستطال ، ومنه قول الشاعر : [الوافر]
|
ولكن الفتى حمل بن بدر |
|
بغى والبغي مرتعه وخيم |
وقوله : (فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ) إغلاظ على الحاكم واستدعاء بعدله ، وليس هذا بارتياب منه ، ومنه قول الرجل للنبي عليهالسلام : فاحكم بيننا بكتاب الله.
وقرأ جمهور الناس : «ولا تشطط» بضم التاء وكسر الطاء الأولى ، معناه : ولا تتعد في حكمك. وقرأ أبو رجاء وقتادة : «تشطط» بفتح التاء وضم الطاء ، وهي قراءة الحسن والجحدري ، ومعناه : ولا تبعد ، يقال : شط إذا بعد ، وأشط إذا أبعد غيره. وقرأ زر بن حبيش : «تشاطط» بضم التاء وبالألف. و : (سَواءِ الصِّراطِ) معناه : وسط الطريق ولا حبه.
وقوله : (إِنَّ هذا أَخِي) إعراب أخي عطف بيان ، وذلك أن ما جرى من هذه الأشياء صفة كالخلق والخلق وسائر الأوصاف ، فإنه نعت محض ، والعامل فيه هو العامل في الموصوف ، وما كان منها مما ليس ليوصف به بتة فهو بدل ، والعامل فيه مكرر ، وتقول : جاءني أخوك زيد ، فالتقدير : جاءني أخوك جاءني زيد ، فاقتصر على حذف العامل في البدل والمبدل منه في قوله : (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ) [يس : ٣١] وما كان منها مما لا يوصف به واحتيج إلى أن يبين به ويجري مجرى الصفة فهو عطف بيان ، وهو بين في قول الشاعر : [الرجز]
يا نصر نصرا نصرا
فإن الرواية في الثاني بالتنوين ، فدل ذلك على أن النداء ليس بمكرر عليه ، فليس ببدل ، وصح فيه عطف البيان ، وهذه الأخوة مستعارة ، إذ هما ملكان ، لكن من حيث تصورا آدميين تكلما بالأخوة التي بينهما في الدين والإيمان ، والله أعلم. و «النعجة» في هذه الآية ، عبر بها عن المرأة. والنعجة في كلام العرب تقع
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٤ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3301_almuharrar-alwajiz-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
