من العدم إلى وجود الحياة ، وبرده عند البعث من مرقده ميتا ، ونميت بإزالة الحياة عمن كان حيا ، (وَنَحْنُ الْوارِثُونَ) ، أي لا يبقى شيء سوانا ، وكل شيء هالك إلا وجهه لا رب غيره.
ثم أخبر تعالى بإحاطة علمه بمن تقدم من الأمم ، وبمن تأخر في الزمن من لدن أهبط آدم إلى الأرض إلى يوم القيامة ، وأعلم أنه هو الحاشر لهم الجامع لعرض القيامة على تباعدهم في الأزمان والأقطار ، وأن حكمته وعلمه يأتيان بهذا كله على أتم غاياته التي قدرها وأرادها.
وقرأ الأعرج «يحشرهم» بكسر الشين.
قال القاضي أبو محمد : بهذا سياق معنى الآية ، وهو قول جمهور المفسرين. وقال الحسن : معنى قوله : (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ) أي في الطاعة ، والبدار إلى الإيمان والخيرات ، و (الْمُسْتَأْخِرِينَ) بالمعاصي.
قال القاضي أبو محمد : وإن كان اللفظ يتناول كل تقدم وتأخر على جميع وجوهه فليس يطرد سياق معنى الآية إلا كما قدمنا ، وقال ابن عباس ومروان بن الحكم وأبو الجوزاء : نزل قوله : (وَلَقَدْ عَلِمْنَا) الآية ، في قوم كانوا يصلون مع النبي صلىاللهعليهوسلم وكانت تصلي وراءه امرأة جميلة ، فكان بعض القوم يتقدم في الصفوف لئلا تفتنه ، وكان بعضهم يتأخر ليسرق النظر إليها في الصلاة ، فنزلت الآية فيهم.
قال القاضي أبو محمد : وما تقدم الآية من قوله : (وَنَحْنُ الْوارِثُونَ) وما تأخر من قوله : (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ) ، يضعف هذه التأويلات ، لأنها تذهب اتصال المعنى ، وقد ذكر ذلك محمد بن كعب القرظي لعون بن عبد الله.
وقوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) الآية ، (الْإِنْسانَ) هنا للجنس ، والمراد آدم ، قال ابن عباس سمي بذلك لأنه عهد إليه فنسي ، ودخل من بعده في ذلك إذ هو من نسله. و «الصلصال» : الطين الذي إذا جف صلصل ، هذا قول فرقة ، منها من قال : هو طين الخزف ، ومنها قول الفراء : هو الطين الحر يخالطه رمل دقيق. وقال ابن عباس : خلق من ثلاثة : من طين لازب وهو اللازق والجيد ، ومن (صَلْصالٍ) وهو الأرض الطيبة يقع عليها الماء ثم ينحسر فتشقق وتصير مثل الخزف ، ومن (حَمَإٍ مَسْنُونٍ) وهو الطين في الحمأة.
قال القاضي أبو محمد : وكان الوجه أن يقال ـ على هذا المعنى ـ صلال ، ولكن ضوعف الفعل من فائه وأبدلت إحدى اللامين من صلاص صادا. وهذا مذهب الكوفيين ، وقاله ابن جني والزبيدي ونحوهما على البصرة ، ومذهب جمهور البصريين : إنهما فعلان متباينان ، وكذلك قالوا في ثرة وثرثارة. قال بعضهم : تقول : صل الخزف ونحوه : إذا صوت بتمديد : فإذا كان في صوته ترجيع كالجرس ونحوه قلت : صلصل ، ومنه قول الكميت : [البسيط]
|
فينا العناجيج تردي في أعنتها |
|
شعثا تصلصل في أشداقها اللجم |
وقال مجاهد وغيره : (صَلْصالٍ) هنا إنما هو مأخوذ من صل اللحم وغيره : إذا أنتن.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
