أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ)(٨٦)
المعنى : أنه لما ساء ظنه بهم ولم يصدق قولهم بل استراب به ، (تَوَلَّى عَنْهُمْ) أي زال بوجهه عنهم وجعل يتفجع ويتأسف ، قال الحسن : خصت هذه الأمة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب : (يا أَسَفى).
قال القاضي أبو محمد : والمراد : «يا أسفي». لكن هذه لغة من يرد ياء الإضافة ألفا نحو : يا غلاما ويا أبتا ، ونادى الأسف على معنى احضر فهذا من أوقاتك. وقيل : قوله : (يا أَسَفى) على جهة الندبة ، وحذف الهاء التي هي في الندبة علامة المبالغة في الحزن تجلدا منه عليهالسلام ، إذ كان قد ارتبط إلى الصبر الجميل ، وقيل : قوله : (يا أَسَفى) نداء فيه استغاثة.
قال القاضي أبو محمد : ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع و (يا أَسَفى) لهذه الأمة وليعقوبعليهالسلام.
(وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ) أي من ملازمة البكاء الذي هو ثمرة الحزن ، وروي «أن يعقوب عليهالسلام حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله قط» ، رواه الحسن عن النبيصلىاللهعليهوسلم.
وقرأ ابن عباس ومجاهد «من الحزن» بفتح الحاء والزاي ، وقرأ قتادة بضمهما وقرأ الجمهور بضم الحاء وسكون الزاي.
وهو (كَظِيمٌ) يمعنى كاظم ، كما قال (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) [آل عمران : ١٣٤] ، ووصف يعقوب بذلك لأنه لم يشك إلى أحد ، وإنما كان يكمد في نفسه ويمسك همه في صدره ، وكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب والفجر. وقال ناس : (كَظِيمٌ) بمعني : مكظوم.
قال القاضي أبو محمد : وقد وصف الله تعالى يونس عليهالسلام بمكظوم في قوله (إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) [القلم : ٤٨] وهذا إنما يتجه على تقدير أنه مليء بحزنه ، فكأنه كظم بثه في صدره ، وجري كظيم على باب كاظم أبين. وفسر ناس «الكظيم» بالمكروب وبالمكمود ـ وذلك كله متقارب ـ وقال منذر بن سعيد : الأسف إذا كان من جهة من هو أقل من الإنسان فهو غضب ، ومنه قول الله تعالى : (فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ) [الزخرف : ٥٥] ومنه قول الرجل الذي ذهبت لخادمه الشاة من الغنم : فأسفت فلطمتها ؛ وإذا كان من جهة لا يطيقها فهو حزن وهم.
قال القاضي أبو محمد : وتحرير هذا المنزع : أن الأسف يقال في الغضب ويقال في الحزن ، وكل واحد من هذين يحزر حاله التي يقال عليها ، وقوله تعالى : (قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا) الآية ، المعنى تالله لا تفتأ فتحذف لا في هذه الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئ القيس : [الطويل]
|
فقلت يمين الله أبرح قاعدا |
|
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي |
ومنه قول الآخر :
|
تالله يبقى على الأيام ذو حيد |
|
بمشمخر به الظيان والآس |
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
