عندك إلا بما علمناه من ظاهر حاله ، وما كنا بالليل حافظين لما يقع من سرقته هو أو التدليس عليه. ثم استشهدوا بأهل القرية التي كانوا فيها ـ وهي مصر ، قاله ابن عباس وغيره ، وهذا مجاز ، والمراد أهلها ، وكذلك قوله : (وَالْعِيرَ) ، هذا قول الجمهور ، وهو الصحيح ، وحكى أبو المعالي في التلخيص عن بعض المتكلمين أنه قال : هذا من الحذف وليس من المجاز ، قال : وإنما المجاز لفظة تستعار لغير ما هي له.
قال القاضي أبو محمد : وحذف المضاف هو عين المجاز وعظمه ـ هذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر ـ وليس كل حذف مجازا ، ورجح أبو المعالي ـ في هذه الآية ـ أنه مجاز ، وحكى أنه قول الجمهور أو نحو هذا.
وقالت فرقة : بل أحالوه على سؤال الجمادات والبهائم حقيقة ، ومن حيث هو نبي فلا يبعد أن تخبره بالحقيقة.
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن جوز فبعيد ، والأول أقوى ، وهنا كلام مقدر يقتضيه الظاهر ، تقديره : فلما قالوا هذه المقالة لأبيهم قال : (بَلْ سَوَّلَتْ) ، وهذا على أن يتصل كلام كبيرهم إلى هنا ، ومن يرى أن كلام كبيرهم تم في قوله : (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) ، فإنه يجعل الكلام هنالك تقديره : فلما رجعوا قالوا : (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) الآية. والظاهر أن قوله : (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً). إنما هو ظن سيء بهم ، كما كان في قصة يوسف قبل ، فاتفق أن صدق ظنه هناك ، ولم يتحقق هنا ، و (سَوَّلَتْ) معناه : زينت وخيلت وجعلته سولا ، والسول ما يتمناه الإنسان ويحرص عليه.
وقوله : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) إما ابتداء وخبره أمثل أو أولى ، وحسن الابتداء بالنكرة من حيث وصفت. وإما خبر ابتداء تقديره ، فأمري أو شأني ، أو صبري صبر جميل ؛ وهذا أليق بالنكرة أن تكون خبرا ، ومعنى وصفه بالجمال : أنه ليس فيه شكوى إلى بشر ولا ضجر بقضاء الله تعالى. ثم ترجىعليهالسلام من الله أن يجبرهم عليه وهم يوسف وبنيامين وروبيل الذي لم يبرح الأرض ، ورجاؤه هذا من جهات :
إحداها : الرؤيا التي رأى يوسف فكان يعقوب ينتظرها.
والثانية : حسن ظنه بالله تعالى في كل حال.
والثالثة : ما أخبروه به عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه فوقع له ـ من هنا ـ تحسس ورجاء.
والوصف «بالعلم والإحكام» لائق بما يرجوه من لقاء بنيه ، وفيها تسليم لحكمة الله تعالى في جميع ما جرى عليه.
قوله عزوجل :
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
