الأرض قبل مجيء الإسلام ، قال الحسن : جاء الإسلام وإن المجوس لتجبيهم الجزية ، وما كانت لهم عزة ومنعة إلا بيثرب وخيبر وتلك الأرض فأزالها الله بالإسلام ، ولم تبق لهم راية أصلا في الأرض ، و (الذِّلَّةُ) فعلة من الذل (ثُقِفُوا) معناه أخذوا وهم بحال المذنب المستحق الإهلاك ، ومنه قوله تعالى : (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ) [الأنفال : ٥٧] (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ) ثقفتموهم [التوبة : ٥] واللفظة مأخوذة من الثقاف ، ومنه قول الشاعر :
|
تدعو ثقيفا وقد عضّ الحديد بها |
|
عضّ الثّقاف على صمّ الأنابيب |
وقوله تعالى : (إِلَّا بِحَبْلٍ) استثناء منقطع ، وهو نظير قوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) [النساء : ٩٢] لأن بادي الرأي يعطي أن له أن يقتل خطئا ، وأن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة ، وليس الأمر كذلك ، وإنما الكلام محذوف ، يدركه فهم السامع الناظر في الأمر ، وتقديره في آياتنا فلا نجاة من الموت (إِلَّا بِحَبْلٍ) ، وقوله تعالى : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا) كأنه بالمعنى هلكوا واستؤصلوا ، فلذلك حسن أن يجيء بعده (إِلَّا بِحَبْلٍ) ، وقرب فهم ذلك للسامع ، قال الزجّاج : المعنى ضربت عليهم الذلة إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه ، و «الحبل» العهد ، شبه به لأنه يصل قوما بقوم كما يفعل الحبل في الأجرام ، و (باؤُ) معناه مضوا متحملين لهذا الحكم ، و «غضب الله عليهم» ، بما دلت عليه هذه الأمور التي أوقع بهم ، وأفعال بني إسرائيل على وجه الدهر من التعنت والعصيان توجب الغضب ، فلذلك خصوا به ، والنصارى إنما ضلوا فقط ، و (الْمَسْكَنَةُ) التذلل والضعة ، وهي حالة الطواف الملتمس للقمة واللقمتين المضارع المفارق لحالة التعفف والتعزز به ، فليس أحد من اليهود وإن كان غنيا إلا وهو بهذه الحال ، وقوله تعالى : (ذلِكَ) إشارة إلى الغضب وضرب الذلة والمسكنة ، فعاقبهم الله على كفرهم وقتلهم الأنبياء بذلك ، و «آيات الله» : يحتمل أن يراد بها المتلوة ، ويحتمل أن يريد العبر التي عرضت عليهم ، وقوله : (بِغَيْرِ حَقٍ) تأكيد ومبالغة وقطع لما عسى أن يكون في وهم إنسان ممكنا بوجه ما ، وقوله تعالى : (ذلِكَ بِما عَصَوْا) حمله المفسرون على أن الإشارة بذلك إلى الشيء الذي أشير إليه بذلك الأول ، قاله الطبري والزجّاج وغيرهما. والذي أقول : إن الإشارة ب (ذلِكَ) الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم ، وذلك أن الله تعالى ، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء ، وهو الذي يقول أهل العلم : إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية ، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة ، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل ، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب الله ، وقال قتادة رحمهالله عند ما فسر هذه الآية : اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس.
قوله تعالى :
(لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ(١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
