نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) [البقرة : ٢٨٦] قال ذلك قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن زيد وغيرهم ، وقالت جماعة من أهل العلم : لا نسخ في شيء من هذا ، وهذه الآيات متفقات ، فمعنى هذه : اتقوا الله حقّ تقاته فيما استطعتم ، وذلك أن (حَقَّ تُقاتِهِ) هو بحسب أوامره ونواهيه ، وقد جعل تعالى الدين يسرا ، وهذا هو القول الصحيح ، وألا يعصي ابن آدم جملة لا في صغيرة ولا في كبيرة ، وألا يفتر في العبادة أمر متعذر في جبلة البشر ، ولو كلف الله هذا لكان تكليف ما لا يطاق ، ولم يلتزم ذلك أحد في تأويل هذه الآية ، وإنما عبروا في تفسير هذه الآية بأن قال ابن مسعود رضي الله عنه : (حَقَّ تُقاتِهِ) : هو أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى ، وكذلك عبر الربيع بن خيثم وقتادة والحسن ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : معنى قوله ، و (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) : جاهدوا في الله حق جهاده ولا نسخ في الآية ، وقال طاوس في معنى قوله تعالى : (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) : يقول تعالى ، إن لم تتقوه ولم تستطيعوا ذلك فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، وقوله تعالى : (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) معناه : دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم عليه. هكذا هو وجه الأمر في المعنى ، وجاءت العبارة على هذا النظم الرائق الوجيز ، ونظيره ما حكى سيبويه من قولهم : لا أرينك هاهنا ، وإنما المراد : لا تكن هاهنا فتكون رؤيتي لك ، و (مُسْلِمُونَ) في هذه الآية ، هو المعنى الجامع التصديق والأعمال ، وهو الدين عند الله وهو الذي بني على خمس.
وقوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً) معناه تمنعوا وتحصنوا به ، فقد يكون الاعتصام بالتمسك باليد ، وبارتقاء القنن ، وبغير ذلك مما هو منعة ، ومنه الأعصم في الجبل ، ومنه عصمة النكاح ، و «الحبل» في هذه الآية مستعار لما كان السبب الذي يعتصم به ، وصلة ممتدة بين العاصم والمعصوم ، ونسبة بينهما ، شبه ذلك بالحبل الذي شأنه أن يصل شيئا بشيء ، وتسمى العهود والمواثيق حبالا ، ومنه قول الأعشى :
|
وإذا تجوّزها حبال قبيلة |
|
أخذت من الأدنى إليك حبالها |
ومنه قول الآخر : [الكامل]
(إني بحبلك واصل حبلي)
ومنه قول الله تعالى : (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) [آل عمران : ١١٢] واختلفت عبارة المفسرين في المراد في هذه الآية (بِحَبْلِ اللهِ) ، فقال ابن مسعود : «حبل الله» الجماعة ، وروى أنس بن مالك عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قال فقيل يا رسول الله : وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده وقال : الجماعة وقرأ ، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً) ، وقال ابن مسعود في خطبة : عليكم جميعا بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به ، وقال قتادة رحمهالله : «حبل الله» الذي أمر بالاعتصام به هو القرآن ، وقال السدي : «حبل الله» كتاب الله ، وقاله أيضا ابن مسعود والضحاك ، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض ، وقال أبو العالية : «حبل الله» في هذه الآية هو الإخلاص في التوحيد وقال ابن زيد : «حبل الله» هو الإسلام.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
