على قوله : (يَخْلُقُ ما يَشاءُ) [آل عمران : ٤٧] ، وقراءة النون عطف على قوله : (نُوحِيهِ إِلَيْكَ) [آل عمران : ٤٤].
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا الذي قاله خطأ في الوجهين مفسد للمعنى و (الْكِتابَ) هو الخط باليد فهو مصدر كتب يكتب ، هذا قول ابن جريج وجماعة المفسرين ، وقال بعضهم : هي إشارة إلى كتاب منزل لم يعين وهذه دعوى لا حجة عليها ، وأما (الْحِكْمَةَ) ، فهي السنة التي يتكلم بها الأنبياء ، في الشرعيات ، والمواعظ ، ونحو ذلك ، مما لم يوح إليهم في كتاب ولا بملك ، لكنهم يلهمون إليه وتقوى غرائزهم عليه ، وقد عبر بعض العلماء عن (الْحِكْمَةَ) بأنها الإصابة في القول والعمل ، فذكر الله تعالى في هذه الآية أنه يعلم عيسى عليهالسلام الحكمة ، والتعليم متمكن فيما كان من الحكمة بوحي أو مأثورا عمن تقدم عيسى من نبي وعالم ، وأما ما كان من حكمة عيسى الخاصة به فإنما يقال فيها يعلمه على معنى يهيىء غريزته لها ويقدره ويجعله يتمرن في استخراجها ويجري ذهنه إلى ذلك ، و (التَّوْراةَ) هي المنزلة على موسى عليهالسلام ، ويروى أن عيسى كان يستظهر التوراة وكان أعمل الناس بما فيها ، ويروى أنه لم يحفظها عن ظهر قلب إلا أربعة ، موسى ويوشع بن نون وعزيز وعيسى عليهمالسلام ، وذكر (الْإِنْجِيلَ) لمريم وهو ينزل ـ بعد ـ لأنه كان كتابا مذكورا عند الأنبياء والعلماء وأنه سينزل. وقوله : (وَرَسُولاً) حال معطوفة على (وَيُعَلِّمُهُ) إذ التقدير ، ومعلما الكتاب ، فهذا كله عطف بالمعنى على قوله (وَجِيهاً) [آل عمران : ٤٥] ، ويحتمل أن يكون التقدير ، ويجعله رسولا ، وكانت رسالة عيسى عليهالسلام إلى بني إسرائيل ، مبينا حكم التوراة ونادبا إلى العمل بها ومحللا أشياء مما حرم فيها ، كالثروب ولحوم الإبل وأشياء من الحيتان والطير ، ومن أول القول لمريم إلى قوله (إِسْرائِيلَ) خطاب لمريم ، ومن قوله ، (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) إلى قوله (مُسْتَقِيمٌ) يحتمل أن يكون خطابا لمريم على معنى يكون من قوله لبني إسرائيل ، كيت وكيت ، ويكون في آخر الكلام متروك يدل عليه الظاهر تقديره ، فجاء عيسى بني إسرائيل رسولا فقال لهم ما تقدم ذكره فلما أحس ويحتمل أن يكون المتروك مقدرا في صدر الكلام بعد قوله ، (إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ) فيكون تقديره ، فجاء عيسى كما بشر الله رسولا إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم ، ويكون قوله : (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) ليس بخطاب لمريم ، والأول أظهر ، وقرأ جمهور الناس «أني قد جئتكم» بفتح الألف ، تقديره بأني وقرىء في الشاذ ، «إني قد جئتكم» ، وجمهور الناس قرؤوا بآية على الإفراد وفي مصحف ابن مسعود «بآيات» وكذلك في قوله بعد هذا وجئتكم بآيات من ربكم واختلف القراء في فتح الألف وكسرها من قوله : (أَنِّي أَخْلُقُ) ، فقرأ نافع وجماعة من العلماء ، «إني» بكسر الألف ، وقرأ باقي السبعة وجماعة من العلماء ، «أني» بفتح الألف ، فوجه قراءة نافع ، إما القطع والاستئناف وإما أنه فسر الآية بقوله ، «إني» كما فسر المثل في قوله كمثل آدم بقوله ، خلقه من تراب إلى غير ذلك من الأمثلة ووجه قراءة الباقين البدل من آية ، كأنه قال : «وجئتكم بأني أخلق» ، وقيل : هي بدل من (أَنِّي) الأولى ، وهذا كله يتقارب في المعنى و (أَخْلُقُ) معناه ، أقدر وأهيئ بيدي ، ومن ذلك قول الشاعر [زهير بن أبي سلمى] : [الكامل] :
|
ولأنت تفري ما خلقت وبع |
|
ض القوم يخلق ثمّ لا يفري |
وقوله (لَكُمْ) تقييد لقوله ، (أَخْلُقُ) لأنه يدل دلالة ما ، على أنه لم يرد الإيجاد من العدم ، ويصرح
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
