و (مَنْ) في قوله (مَنْ آمَنَ بِاللهِ) في موضع نصب بدل من (الَّذِينَ) ، والفاء في قولهم (فَلَهُمْ) داخلة بسبب الإبهام الذي في (مَنْ) و «لهم أجرهم» ابتداء وخبر في موضع خبر (إِنَ) ، ويحتمل ويحسن أن تكون (مَنْ) في موضع رفع بالابتداء ، ومعناها الشرط ، والفاء في قوله (فَلَهُمْ) موطئة أن تكون الجملة جوابها ، و «لهم أجرهم» خبر (مَنْ) ، والجملة كلها خبر (إِنَ) ، والعائد على (الَّذِينَ) محذوف لا بد من تقديره ، وتقديره «من آمن منهم بالله».
وفي الإيمان باليوم الآخر اندرج الإيمان بالرسل والكتب ، ومنه يتفهم ، لأن البعث لم يعلم إلا بإخبار رسل الله عنه تبارك وتعالى ، وجمع الضمير في قوله تعالى «لهم أجرهم» بعد أن وحد في (آمَنَ) لأن (مَنْ) تقع على الواحد والتثنية والجمع ، فجائز أن يخرج ما بعدها مفردا على لفظها ، أو مثنى أو مجموعا على معناها ، كما قال عزوجل (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) [يونس : ٤٢] فجمع على المعنى ، وكقوله (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) [النساء : ١٣] ثم قال (خالِدِينَ فِيها) [النساء : ١٣] فجمع على المعنى ، وقال الفرزدق : [الطويل]
|
تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني |
|
نكن مثل من يا ذئب يصطحبان |
فثنى على المعنى ، وإذا جرى ما بعد (مَنْ) على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى ، وإذا جرى ما بعدها على المعنى فلم يستعمل أن يخالف به بعد على اللفظ ، لأن الإلباس يدخل في الكلام.
وقرأ الحسن «ولا خوف» ، نصب على التبرية ، وأما الرفع فعلى الابتداء ، وقد تقدم القول في مثل هذه الآية.
وقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) ، (إِذْ) معطوفة على التي قبلها ، والميثاق مفعال من وثق يثق ، مثل ميزان من وزن يزن ، و (الطُّورَ) اسم الجبل الذي نوجي موسى عليه ، قاله ابن عباس ، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم : (الطُّورَ) اسم لكل جبل ، ويستدل على ذلك بقول العجاج : [الرجز]
|
دانى جناحيه من الطور فمر |
|
تقضّي البازي إذا البازي كسر |
وقال ابن عباس أيضا : (الطُّورَ) كل جبل ينبت ، وكل جبل لا ينبت فليس بطور ، قال القاضي أبو محمد رحمهالله : وهذا كله على أن اللفظة عربية ، وقال أبو العالية ومجاهد : هي سريانية اسم لكل جبل.
وقصص هذه الآية أن موسى عليهالسلام لما جاء إلى بني إسرائيل من عند الله تعالى بالألواح فيها التوراة ، قال لهم : خذوها والتزموها ، فقالوا : لا إلا أن يكلّمنا الله بها كما كلمك ، فصعقوا ، ثم أحيوا ، فقال لهم : خذوها ، فقالوا : لا ، فأمر الله تعالى الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين ، طوله فرسخ في مثله ، وكذلك كان عسكرهم ، فجعل عليهم مثل الظلة ، وأخرج الله تعالى البحر من ورائهم ، وأضرم نارا بين أيديهم ، فأحاط بهم غضبه ، وقيل لهم خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها ، وإلا سقط عليكم الجبل ، وغرقكم البحر وأحرقتكم النار ، فسجدوا توبة لله ، وأخذوا التوراة بالميثاق ، وقال الطبري رحمهالله عن بعض العلماء : لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق ، وكانت سجدتهم على شق ، لأنهم كانوا يرقبون
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
