فى الجملة ، فكان يجب أن يحتج بذلك الجم الغفير ، وان تواطأت الجماعة اليسيرة على ترك المعارضة ، أو إخفائها ، لأن هذا الاحتجاج أسهل من إيراد المعارضة ، وأقوى فى بطلان أمره ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لأنه لا فرق بين أن يبينوا أن الذى جاء ، من القرآن معتاد ، بذكر مثله ، فيما تقدم ، أو بإيراد مثله فى الوقت» وقال أيضا «وبعد. فإنا لا نجوز على الجمع اليسير ما ظنه السائل ، على كل حال ، لأنه مع التنافس الشديد ، والتقريع العظيم ، وتحرك الطباع ، ودخول الحمية ، والأنفة ، وبطلان الرئاسة والأحوال المعتادة ، والدخول تحت المذلة ، لا يجوز فى كثير من الأحوال ، على الواحد أن يسكت ، عن الأمر الذى يزيل به ، عن نفسه الوصمة والعار ، والأنفة ، فكيف على الجماعة القليلة أو الكثيرة (١)؟
ولا يقال أنها كانت ممكنة ولكن القهر والغلبة والخوف منه صلوات الله عليه عدل بهم عنها؟ فهلا عدلوا عن المحاربة لهذه العلة؟ وعن المهاجاة لمثلها؟ وعن الوقيعة فيه ونسبته إلى الجنون والسحر ، إلى سائر ما حكى عنه ، فتلك ادعاءات واهية.
أما عن الصّرفة ، فلا يرى القاضى فيها وجها من وجوه الإعجاز ، ونقرأ له فى التنزيه قوله «ثم بين تعالى عظم شأن القرآن بقوله (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) فنبه بذلك على أن له من الرتبة فى الفصاحة ما لا يدركه العباد انفردوا أو اجتمعوا ، ولو كانوا يقدرون عليه ، وانما صرفوا عنه ، لم يكن لهذا القول معنى» (٢).
وهو أيضا يرفض الرأى القائل بأن المعارضة للقرآن لم تكن لصرف الله تعالى إياهم عنه ، لأنه لا يجوز أن يكونوا ممنوعين من الكلام ، لأن المنع والعجز لا يختص كلاما دون كلام ، وأنه لو حصل ذلك فى ألسنتهم لما أمكنهم الكلام المعتاد ، والمعلوم من حالهم خلاف ذلك ، وأن هذا الوجه لو صح لم يوجب كون القرآن معجزا ، وكان يجب أن يكون المعجز منعهم من فعل مثله (٣) ويقول : إن دواعيهم
__________________
(١) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ـ ٢٧٢.
(٢) القاضى عبد الجبار ـ تنزيه القرآن عن المطاعن ـ ٢٣٢ و ٢٣٣.
(٣) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ـ ٣٢٢.
