الفقهاء وقيل أيضا ، أنه لم يتقدم بجمعه ، لأن فى أيامه كان ينتظر الوحى والزيادة ، وقد كانت تنزل آيات فتضمّ إلى مواضع من السور ، فأحب الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يتكامل على وجه يستقر العلم به ، ثم يجمع ويدوّن ، وعلم أنه تعالى تكفل بحفظه. فلا بد أن يحتاط فى جمعه بعده ، وإنما كان يرجع إلى الآحاد وإلى الشاهدين فى باب القرآن ، على الحد الذى يرجع الآن مع ظهوره وشدة حرصه إلى المتقدمين فى المعرفة ليضبطوا المصاحف ، وليس كل من يرجع إلى الشهود فقد عوّل على قولهم ، أو ربما يتذكّر بهم ، أو يحتاط بمشارفتهم وهذه طريقة معروفة فى الاحتياط (١).
والقرآن مخلوق فكيف يصح إعجازه مع حدوثه؟ يجيب القاضى عبد الجبار قائلا : أنه لا فرق بين أن يحدثه تعالى فى السماء ويأمر جبريل بتحمله عند بعثته الرسول ، عليهالسلام ، وإنزاله إليه ، وبين أن يحدثه فى الحال ويأمر بالإنزال ، وبين أن يأمره بالإنزال ثم يحدثه ، فى أن على الوجوه كلّها ، اختصاصه بنقض العادة فى الوجه الذى تنقض عليه لا يتغير ، ولذلك سوينا بين الجميع ، فإذا كان تعالى يعلم أن فى تقديم إحداثه ضربا من المصلحة ، فالواجب أن يقدّم إحداثه لكى تحصل المصلحة به (٢).
إذن فالقرآن يصح أن يتخذ دليلا على الإعجاز ، وأنه صحيح لم تمتد إليه يد العبث ، وكونه محدثا لا يمنع من اتخاذه دليلا على نبوة. بيد أن هذه الضمانات لا تمنع من معارضة العرب للقرآن ، وليس معنى عدم وصول هذه المعارضة أنها لم تكن ، لأنه يجوز أنهم عارضوه ، ولمصلحة الدين والحفاظ عليه لم تنقل المعارضة؟
ولا يترك القاضى هذا التساؤل بدون أن يفرد له فصلا ويكون بعنوان «فى بيان الدلالة على أنهم لم يعارضوه عليهالسلام لتعذر المعارضة عليهم» قال فيه : «وبعد ، فإنهم لو تكلفوا المعارضة ، وبلغوا النهاية ، لا يزيدون على من تقدم ، من طبقات الشعراء ، لأن مزية شعرهم وخطبهم على من كان فى زمنه صلىاللهعليهوسلم ، معروفة
__________________
(١) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ١٦٥ و ١٦٦.
(٢) نفس المصدر ـ ١٧٩.
