وانتقل إلى التلاؤم ، ويريد به حسن النظم والرصف ، ونراه يقسّم الكلام إلى ثلاث طبقات : متنافر يستثقله اللسان وتمجه الآذان ، ومتلائم فى الطبقة الوسطى وتدخل فيه بلاغة البلغاء ، ومتلائم فى الطبقة العليا وهو أسلوب القرآن ، الذى تصغى له الآذان كما تصغى القلوب والأفئدة.
وتحدث عن فواصل الذكر الحكيم ، فقال أنها «حروف متشاكلة فى المقاطع توجب حسن إفهام المعنى ، وفرّق بين فواصل القرآن والأسجاع ، فقال «الفواصل بلاغة والأسجاع عيب ، وذلك أن الفواصل تابعة للمعانى ، وأما الأسجاع فالمعانى تابعة لها» ومن أجل ذلك كان يتضح فيها الاستدعاء والتكلف بخلاف الفواصل فإنها فى مكانها وكأنها تصير إلى قرارها ، وهى على وجهين ، وجه على الحروف المتجانسة مثل (وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ) ـ (الطور ـ ١) ووجه على الحروف المتقاربة مثل (ق ، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ) (ق ـ ١ و ٢).
وترك الفواصل إلى التجانس ، فقال (تجانس البلاغة ، هو بيان بأنواع الكلام الذى يجمعه أصل واحد فى اللغة) وجعله على نوعين : مزاوجة ومناسبة ، أما المزاوجة فمثل (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (آل عمران ـ ٥٤) إذ استخدم المكر مع الله بدلا من الجزاء على سبيل المزاوجة للدلالة على أن وبال المكر راجع عليهم.
وأما المناسبة ، فتدور فى المعانى التى ترجع إلى أصل واحد مثل (انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) (التوبة ـ ١٢٧) فجونس بالانصراف عن الذكر ، صرف القلب عن الخير ، والأصل فيه واحد وهو الذهاب عن الشيء ، أما هم فذهبوا عن الذكر ، وأما قلوبهم فذهب عنها الخير.
والتصريف عنده ، تصريف المعنى فى الدلالات المختلفة ، كتصريف الألفاظ المشتركة فى أصل واحد ، مثل التصريفات المستخرجة من كلمة (ع ر ض) إذ يأتى منها عرض بكسر العين ، وإعراض واعتراض واستعراض وتعريض ومعارضة وعروض ، وعلى هذه الشاكلة تصريف المعانى فى الدلالات المختلفة ، على نحو
