وبذلك صور الرمانى الايجاز ـ فى رأى الدكتور شوقى ضيف ـ تصويرا نهائيا بحيث لم يضف إليه البلاغيون التالون شيئا (١).
وانتقل إلى التشبيه ، فعرفه بأنه «العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر فى حسّ أو عقل» وبذلك قسم التشبيه إلى حسى وعقلى ، وسمى الأول تشبيه حقيقة والآخر تشبيه بلاغة. وعرض بالتفصيل للتشبيه العقلى وطبقاته فى الحسن ، وقال أنه يأتى على وجوه ، منها إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه ، كتشبيه أعمال الكفار بالسراب فى الآية الكريمة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) (النور ـ ٣٩) ومنها إخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت بعادة كتشبيه ارتفاع الجبل بارتفاع الظلة فى الآية الكريمة (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) (الأعراف ـ ١٧١) ، ومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة ، مثل (وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (الحديد ـ ٢١) ومنها إخراج ما لا قوة له فى الصّفة إلى ما له قوة فى الصفة مثل (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ) (الرحمن ـ ١٤).
وعلى هذا النحو يمتاز تشبيه البلاغة بأنه يقرن الأغمض بالأوضح فيتبين وينكشف. ومثلما بحث التشبيه بحثا دقيقا بحث أيضا الاستعارة (٢) ، وهى عنده «تعليق العبارة على غير ما وضعت له فى أصل اللغة على جهة النقل للإبانة» ويقول : كل استعارة لا بدّ فيها من مستعار ، ومستعار له ومستعار منه ، ويقول أيضا : إن الاستعارة الحسنة هى التى توجب بلاغة بيان لا تنوب منابه الحقيقة ، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه الحقيقة ، كانت أولى ، ولم تجز الاستعارة ، وكل استعارة ، فلا بد لها من الحقيقة ، وهى أصل الدلالة على المعنى فى اللغة ، كقول امرئ القيس فى فرسه (قيد الأوابد) والحقيقة فيه (مانع الأوابد) و (قيد الأوابد) أبلغ وأحسن ، ويعرض أمثلة مختلفة مصوّرا فيها فضل الاستعارة على الحقيقة وأنها أبلغ فى قوة البيان.
__________________
(١) الدكتور شوقى ضيف ـ البلاغة تطور وتاريخ ـ ١٠٤.
(٢) الرمانى ـ النكت فى اعجاز القرآن ـ ٧٩ ـ ٨٧.
