دعواى وصدقتم فى تكذيبى ولا يجوز أن يكون مثل العرب فى كثرة عددهم واختلاف عللهم والكلام كلامهم وهو سيد عملهم ... وبعد فقد هجوه من كل جانب ، وهاجى أصحابه شعراءهم ، ونازعوا خطباءهم وحاجوه فى المواقف ، وخاصموه فى المواسم ، وبادروه العداوة ، وناصبوه الحرب ، فقتل منهم وقتلوا منه ، وهم أثبت الناس حقدا وأبعدهم مطلبا وأذكرهم لخير أو لشر وأنفاهم له وأهجاهم بالعجز وأمدحهم بالقوة ثم لا يعارضه معارض ، ولم يتكلف ذلك خطيب ولا شاعر؟» (١).
ذلك لأن القرآن معجز. ولكن فيم كان الأعجاز فى نظر الجاحظ؟
لقد نادى الجاحظ بأن القرآن معجز بالصّرفة ومعجزة بالنظم.
ويقول : ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن بعد أن تحداهم الرسول بنظمه ، ولذلك لم يجد أحدا طمع فيه ، ولو طمع فيه لتكلفة ، ولو تكلف بعضهم ذلك ، فجاء يأمر فيه أدنى شبهة ، لعظمت القصة على الأعراب ، والنساء ، وأشباه النساء ، ولألقى هذا للمسلمين عملا ، ولطلبوا المحاكمة والتراضى ببعض العرب ولكثر القيل والقال ، فقد رأيت أصحاب مسيلمة وأصحاب بنى النواحة ، إنما تعلقوا بما ألف لهم مسيلمة من ذلك الكلام الذى يعلم كل من سمعه أنه عدا على القرآن فسلبه وأخذ بعضه وتعاطى أن يقارنه. فكان ذلك التدبير الذى لا يبلغه العباد ولو اجتمعوا» (٢).
وهذه الصّرفة التى عرضت للعرب فلم يقلدوا القرآن ، عرضت أيضا لقوم موسى «فقد كانوا أمة من الأمم يكسعون أربعين عاما فى مقدار فراسخ يسيرة ولا يهتدون إلى مخرج وما كانت بلاد التيه إلا ملاعبهم ومتنزهاتهم ولا يعدم مثل العسكر والأدلّاء والحمالين والمكارين والفيوح والرسل والتجار ـ ولكن صرف أوهامهم ، ورفع ذلك القدر من صدورهم» (٣).
والصّرفة أيضا ـ عرضت للشياطين الذين يسترقون السمع إلى السماء فى كل ليلة (٤) وعرضت كذلك للمسلمين حين بشّر الله تعالى نبيه الكريم بالظفر
__________________
(١) نفس المصدر ـ ١٤٣.
(٢) الجاحظ ـ الحيوان ـ ٤ / ٣٢ ط الحلبى.
(٣) الجاحظ ـ نفس المصدر ـ ٤ / ٣١ و ٣٢.
(٤) نفس المصدر والصفحة.
