ويكشف الجاحظ عما وقع فيه الناس من لبس فى فهم قوله تعالى (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ، ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) متنبها إلى دقة القرآن المعجزة بالخصائص المشهورة للمشبه به (١) ويعرض لمجاز القرآن ، وكيف نلمس منه لونا دقيقا من التعبير ، فيه بساطة ويسر ، يقول عزوجل (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) ويقول عز اسمه (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) وقد يقال لهم ذلك وأن شربوا بتلك الأموال الأنبذة ولبسوا الحلل وركبوا الدواب. ولم ينفقوا فيها درهما واحدا فى سبيل الأكل ، وقد قال الله عزوجل (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) وهذا أيضا مجاز (٢). وتعرض لقوله تعالى («إِنَّها شَجَرَةٌ) تنبت (فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ») وهو الذى كثر فيه الكلام وكان سببا فى تأليف كتاب «مجاز القرآن لأبى عبيدة» (٣).
وهذه اللمحات وغيرها الذى انتشر فى كتب الجاحظ (٤) تعطينا صورة لصدى روعة القرآن الكريم فى نفس الجاحظ ومدى تجاوبه الشديد معه.
ثم هو يفرد حديثا مطولا عن عجز العرب عن الإتيان بهذا القرآن الذى «تحدى البلغاء والخطباء والشعراء بنظمه وتأليفه فى المواضع الكثيرة والمحافل العظيمة ، فلم يرم ذلك أحد ولا تكلفه ، ولا أتى ببعضه ولا شبيه منه ، ولا ادعى أنه قد فعل ، فيكون ذلك الخبر باطلا ، وليس قول جمعهم أنه كان ـ كاذبا ـ معارضة لهذا الخبر ، إلا أن يسمّوا الإنكار معارضة ، وإنما المعارضة مثل الموازنة والمكايلة ، فمتى قابلونا بأخبار فى وزن أخبارنا ومخرجها ومجيئها فقد عارضونا ، ووازنونا وقابلونا ، وقد تكافينا وتدافعنا» (٥) مع أن محمدا صلىاللهعليهوسلم «مخصوص بعلامة لها فى العقل موقع كموقع فلق البحر من العين ، وذلك قوله لقريش خاصة وللعرب عامة مع ما فيها من الشعراء والخطباء والبلغاء والدهاء والحكماء وأصحاب الرأى والمكيدة والتجارب والنظر والعاقبة : أن عارضتمونى بسورة واحدة فقد كذبت فى
__________________
(١) الجاحظ ـ الحيوان ـ ٢ / ١٦ و ١٧ ط هارون.
(٢) الجاحظ ـ الحيوان ـ ٥ / ٩ و ١٠ ط الحلبى.
(٣) الجاحظ ـ الحيوان ـ ٦ / ٦٤ و ٦٥ و ٤ / ٣٩.
(٤) الجاحظ ـ البيان والتبيين ـ ١ / ٩٣ و ١٠٥ وغيرها.
(٥) الجاحظ ـ حجج النبوة ـ ٣ / ٢٥١ ط هارون.
