ومجازات ، ولهذا الحال كان كلامهم فى المرتبة العليا من الفصاحة فإن الكلام متى خلا من الاستعارات وجرى كله على الحقيقة كان بعيدا عن الفصاحة ، بريّا من البلاغة ، وكلام الله تعالى أفصح الكلام» (١) «وأساس البلاغة» للزمخشرى بنى لتطبيق هذا الرأى على اللغة.
وقد رأينا كيف عالج المعتزلة اللغة على أنها اصطلاحية لا توفيقية ليتسنى لهم مقالهم ، ولكن الجرجانى الأشعرى يأخذ على المعتزلة إفراطهم فى المجاز حتى ليقودهم الأمر إلى المسارب الضيقة والخروج الفاحش. وهو محقّ فى ذلك ، أما الأساس المجازى نفسه فلم يعترض عليه.
ومن ثمّ شقق المتكلمون الكلام ، وداروا معه حيث دار ، وأخرجوا لنا كنوزه وكان لهم فضلهم.
ثانيا : التأثير النفسى :
للمعتزلة الباع الطويل فى هذا الميدان ، وهذه صحيفة بشر بن المعتمر (ت ٢١٠) التى رواها الجاحظ فى البيان ، وفيها ينصح بشر كل أديب سواء أكان خطيبا أم كاتبا أم شاعرا بأشياء هامة من ناحية الألفاظ والمعانى وكيفية التهيؤ لها حتى تصدر منه كما يصدر الماء من ينبوعه ويشرح أيضا جانب تأثير الخطيب أو الأديب فى نفوس المستمعين أو القراء قائلا : ينبغى للمتكلم أن يعرف أقدار المعانى ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين ، وبين أقدار الحالات ، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ، ولكل حالة من ذلك مقاما ، حتى يقسّم الكلام على أقدار المعانى ، ويقسم المعانى على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات ... (٢).
وارتباط التأثير فى النفس بجانب الإعجاز والإطناب فى البلاغة لأنهما يتصلان مباشرة بنفس المستمع أو القارئ.
وقد توسع الجاحظ فى الحديث عن الأطناب والايجاز ومواضعها ، من ذلك
__________________
(١) المرتضى ـ أمالى المرتضى ـ ٤٨.
(٢) الجاحظ ـ البيان والتبيين ـ ١ / ١٣٥.
