إلى ادراك الصور الفنية ، ولم يسبروا أغواره ليخرجوا عجائبه ، ويذوقوا الأدب والبلاغة ذوقا أدبيا ، يملأ النفس روعة والحسى جلالا ويتدرج من القدرة البشرية إلى الإعجاز الالهى.
وحين استعرضنا جهودهم فى الميدان الفنى للاعجاز ، لمسنا أثر تعمق المتكلمين فى دراستهم ، ومدى سداد منهجهم الذى أدى إلى إضافات فى فنون البلاغة ، أضيفت إلى جهود الذين سبقوهم من الرواة والشعراء والنقاد ، وما كان غيرهم بمستطيع ذلك. لو لا المتكلمون.
ونريد أن تشير هنا الى فضلهم على البلاغة العربية عامة وعلى قضية الإعجاز بخاصة ، فى جانبها الفنى. ونلخص ذلك فى :
أولا : المجاز اللغوى.
ثانيا : التأثير النفسى.
ثالثا : دراسة الجمال والذوق الأدبى.
أولا : المجاز اللغوى :
وقد لجأ المعتزلة لهذا الباب حتى يتسع أمامهم القول ، وحتى يفلتوا من تلك القيود التى ألزمهم بها المجسّمة وغيرهم من الطوائف ، وبخاصة حين عالجوا التشبيه فى القرآن الكريم ، ولقد هاجموا اللغويين والمفسرين البسطاء الذين يلتزمون ظاهر اللفظ ، وراحوا ينزّهون الذات الالهية عن كل ما ينالها من حسّيّة ، وجنحوا إلى الصور الذهنية والخيالات المتضمنة ليبرزوا معانيها البعيدة فى نفوس الناس. وكان عدتهم فى ذلك المجاز اللغوى. وقد قال الجاحظ «فللعرب أمثال واشتقاقات وأبنية وموضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم ، ولتلك الألفاظ مواضع آخر ، ولها حينئذ دلالات أخرى ، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة والشاهد والمثل ، فإذا نظر فى الكلام وفى ضروب من العلم وليس هو من أهل هذا الشأن ، هلك وأهلك» (١).
وهذا المرتضى فى «أماليه» يقول «وكلام العرب وحى واشارات واستعارات
__________________
(١) الجاحظ ـ الحيوان ـ ١ / ٧٠ ط السعادة.
