أمورا مخالفة للسنة فلهجوا بها ، وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها ، فأنشأ الله تعالى طائفة المتكلمين وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتّب يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف السنة المأثورة ، عنه نشأ علم الكلام وأهله» (١).
وقد نهض طائفة المعتزلة ـ المتكلمين ـ كما مر بنا ـ لمناهضة الروافض (٢) ودارت المجالس ، وألفت الكتب فى بيان كيدهم على الإسلام (٣) وكان عماد المعتزلة فى تفكيرهم أن يجمعوا بين الشرع والعقل ـ حتى انفصل الأشعرى عنهم بعد أن أحس أنهم أفرطوا فى تقدير العقل ، فأراد أن يقترب من الشرع بالعقل نفسه الذى جعل المعتزلة ـ تفرط على نفسها فى الاعتداد به ، وظهرت مدرسة الأشاعرة مقابلة لأساتذتها المعتزلة وصار لكل متكلمون وأدباء وعلماء. وقد تكلمت مدرسة الأشاعرة فى قضية الإعجاز قضية هامة أصيلة فى الفكر الاسلامى. وكان من طبيعة الحال أن تتأثر فى معالجتها بمبادئها التى ارتضتها لنفسها.
كما ظهرت الماتريديّة ، أصحاب أبى منصور الماتريدى ، تلك المدرسة التى أرادت هى الأخرى أن تجمع بين الشرع والعقل ـ وكانت أقرب إلى المعتزلة منها إلى الأشاعرة (٤).
وحقا ـ كما قال الجاحظ ـ إن كبار المتكلمين ورؤساء الناظرين كانوا فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء (٥).
وقد عالج اللغويون مسائل البيان ونظرية الأدب والبلاغة وفى القرآن بخاصة وعالجها أيضا المتكلمون الذين لم يرتضوا أسلوب اللغويين ، واعتبروهم قد ضيقوا مجالات الفن ولم يتعمقوا ولم ينكشفوا ما وراء الألفاظ من معان بعيدة ، ولم يجنحوا
__________________
(١) الغزالى ـ المنقذ من الضلال ـ ٩١ و ٩٢.
(٢) المقصود بها كل من رفض اتباع الجماعة.
(٣) الخياط ـ الانتصار ص ١٥٦ و ٩٩ و ١٤٢ ط ١٩٢٥ م. و ٩٦ و ١٥٦ و ١٥٧ والمنية والأمل ـ ص ٥٣.
(٤) الدكتور محمود قاسم ـ ص ١٦ من مقدمة تحقيق مناهج الأدلة لابن رشد.
(٥) الجاحظ ـ البيان والتبيين ـ ١ / ١٦٦.
