الاجمال والاختصار ، ونراه يعلن فى فاتحته أنه سيعنى بتنظيم ما صنعه عبد القاهر فى كتابه (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) وقد نوّه بعمل عبد القاهر وبراعته فى استنباط أصول هذا العلم وقوانينه وأدلته وبراهينه ، وعقب على ذلك بأنه (أهمل رعاية ترتيب الأصول والأبواب وأطنب فى الكلام كل الأطناب) ثم يقول (ولما وفقنى الله لمطالعة ، هذين الكتابين ، التقطت منهما معاقد فوائدهما ، ومقاصد فرائدهما ، وراعيت الترتيب مع التهذيب ، والتحرير مع التقرير ، وضبطت أوابد الإجمالات فى كل باب بالتقسيمات اليقينية وجمعت متفرقات الكلم فى الضوابط العقلية ، مع الاجتناب عن الأطناب الممل والاحتراز عن الاختصار المخل» (١).
فالكتاب إذن تنظيم وتبويب لما كتبه الجرجانى ، وإذا تقدمنا فى قراءته وجدنا الرازى يذكر ، على بن عيسى الرمانى ، وينقل عنه مرار ، وكذا يلمّ بأطراف من آراء الزمخشرى ، كما يرد طائفة من الألوان البديعية.
ثالثا : السكاكى :
ولد سراج الدين أبو يعقوب يوسف بن محمد بن على السكاكى فى خوارزم سنة ٥٥٥ ه ، وقد أجمع المؤرخون له على أنه ظل إلى نهاية العقد الثالث من حياته يعنى يصنع المعادن ، حتى وقر فى نفسه أن يخلص للعلم ويتفرغ له ، وإذا هو يكبّ عليه ويحاول أن يلتهمه التهاما ، ومضى يعبّ من جداول الفلسفة والمنطق والاعتزال والفقه وأصوله وعلوم اللغة والبلاغة ، وله مصنفات مختلفة لعل أهمها (المفتاح) يقول عنه ياقوت الحموى أنه (فقيه متكلم متفنن فى علوم شتى وهو أحد أفاضل العصر الذين سارت بذكرهم الرّكبان) واختلف من ترجموا له فى تعيين سنة وفاته أهي سنة ٦٢٣ ه أم سنة ٦٢٧ ه والراجع أنه توفى سنة ٦٢٦ ه (٢).
__________________
(١) الفخر الرازى ـ نهاية الإيجاز ـ ص ٥.
(٢) انظر فى ترجمة السكاكى ـ الحموى ـ معجم الأدباء ٢٠ / ٥٩ ـ والسبكى ـ طبقات الشافعية ـ ٣ / ١٩٩ وابن العماد شذرات الذهب ـ ٥ / ١٢٢ والسيوطى ـ لب الألباب فى تخير الأنساب (ط ليدن) ١ / ١٣٧.
