والجرجانى قد شغله الجانب البلاغى ولم يفصّل القول فى الجانب الكلامى بالصورة التى ترينا الفروق بوضوح بين التفكير الاعتزالى والآخر الأشعرى.
ومن هنا تظهر لنا أهمية دراسة الجانب الكلامى عند الباقلانى.
يرى الباقلانى أن «الذى يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن أن نبوة نبينا عليهالسلام بنيت على هذه المعجزة ، وأن كان قد أيّد بعد ذلك بمعجزات كثيرة» (١) أى أننا نثبت إعجاز المعجز أولا حتى ننتقل منه إلى إثبات نبوة النبى صلىاللهعليهوسلم ، بينما نادى القاضى عبد الجبار بأن إثبات النبوة يجب أن يسبق إثبات إعجاز المعجز لأن النبوة حينما يتأكد منها الشاك ، سيتقبل بالتالى كل ما ورد عنها من معجزات (٢).
ولم ير الباقلانى فى القول بالصرفة وجها من وجوه الإعجاز ، يقول. فإن قيل ، فلم زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات وتصرفهم فى أجناس الفصاحات؟ وهلا قلتم أن من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة بوجه من هذه الطرق الغريبة ، كان على مثل نظم القرآن قادرا ، وإنما يصرفه الله عنه ضربا من الصرف ، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضربا من المنع ، أو تقصر دواعيه إليه دونه مع قدرته عليه ، ليتكامل ما أراده الله من الدلالة ، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة ، لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين ، لم يعجز عن نظم مثلهما ، وإذا قدر على ضم الثانية إلى الأولى ، وكذلك الثالثة ، حتى يتكامل قدر الآية أو السورة؟ فالجواب : أنه لو صحّ ذلك لصحّ لكل من أمكنه نظم ربع بيت أو مصراع من بيت أن ينظم القصائد ، ويقول الأشعار ، وصح لكل ناطق قد يتفق فى كلامه الكلمة البديعة ، نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة ، ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن ، على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه الممتنع ، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه ، ومنع من مقدار الفصاحة فى نظمه ، وكان أبلغ فى الأعجوبة إذا صرفوا عن الاتيان بمثله ، ومنعوا عن معارضته وعدلت دواعيهم عنه ، فكان يستغنى عن إنزاله على
__________________
(١) الباقلانى ـ إعجاز القرآن ـ ١٠.
(٢) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ـ ١٥٢ وما بعدها.
