ما قيمة ذلك أمام الله ، وما أسخف هذا التفكير ، ولكنها الحالة النفسية الخائفة القلقة التي يحاصرها هذا الواقع فتلجأ إلى أي شيء حتى الوهم ، لتفتدي به من العذاب ، بعيدا عما إذا كان ذلك ممكنا أو غير ممكن ، معقولا أو غير معقول.
(وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ) من العذاب (ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) لأنهم كانوا في غفلة عن قدرة الله ، وعن حجم عقابه ، مما جعلهم لا يستعدّون لهذا الموقف ، (وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا) بفعل ما ظهر لهم من النتائج الصعبة القاسية التي تأكل كل ما حصلوا عليه من لذات وشهوات وامتيازات كانوا يعيشونها في الدنيا ، (وَحاقَ بِهِمْ) من العذاب الشديد في نار جهنم ، (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) عند ما كان الأنبياء يحذرونهم لقاء يومهم هذا ، وما فيه من عقاب.
ولعلّ مشكلة الإنسان أنه لا يفكر في قضاياه إلا من خلال اللحظة التي يعيش في داخلها ، فلا يتعاطى معها انطلاقا من المعطيات الحقيقية التي تنفذ إلى داخلها في العمق العميق من الحياة ، وهذا ما صوّره الله في القرآن في أكثر من آية ، كما صوّره في هذه الآية. (فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) وهذه هي الحالة الطبيعية التي يعيشها الإنسان في حياته ، في حجم الظاهرة المتكررة مع الكثيرين من أفراده ، فقد يلاحظ المتتبع للسلوك الإنساني أنه قد يختلف في علاقته بالله ونظرته إليه وإلى نفسه ، بين حالة وحالة ، فإذا عرض له المرض أو الفقر أو الخوف ، أو غير ذلك من الأوضاع التي تمثل جانبا من جوانب النقص المادي والمعنوي في حياته الخاصة ، أو غرق في أزماته النفسية من الداخل والخارج ، فإنه يلجأ إلى الله ، ليعيش مع الوجدان الإيماني الذي يبحث فيه الإنسان عن ربه ليبتهل إليه ويخضع له ، ويتوسل إليه في إنقاذه من الواقع السيّئ القلق المهتز الذي يعيش فيه. وتبقى العلاقة بالله مرتبطة بالحاجة إليه ، في الجانب الحسي المباشر في حركة الشعور. ويبقى الشعور بالعبودية المنسحقة أمام الربوبية المطلقة محدودا في هذه الدائرة ، فإذا تبدّل الوضع إلى وضع أفضل وجاءت النعم
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
