معنى الإيمان وامتداد قدرته في رحاب الوجود وانفتاح رحمته في ساحات نعمه ، فتخشع نفوسهم ، وتطمئن قلوبهم بذكره ، وتلين أجسادهم لعبادته ، (ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ) بفعل ما يفيض به على عباده من الفكر الباحث عن الحق ، ومن الشعور المنفتح على الله ، وما يهيّئه له من أسباب الهدى ، ويضلّ بها من تركها وأهملها ونظر إليها نظرة اللّامسؤولية واللّامبالاة ، عند ما تتحول المسألة عنده إلى ما يشبه العبث واللهو واللعب ، بعيدا عن كل معاني الجدّية في الحياة. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) وذلك من خلال ما أوجده من أسباب الضلال التي تلتقي بالمفردات المتناثرة في حركة الواقع وما تحتوي من الشبهات والأضاليل ، وبإرادة الإنسان التي لا تواجه ذلك كله بما وهبه الله من طاقة الفكر والتأمّل. وهذا جار على أسلوب القرآن الذي يربط الأمور كلها بالله ، من خلال خلق الأسباب ، مع كون الإنسان جزءا من هذه الأسباب في إرادته الحرة. ولعل ذكر الكتاب المنزل أمام مسألة الهداية ، يوحي بأنها تنطلق من العناصر الاختيارية التي تثير في داخل الإنسان المعاني الروحية التي تفتح عقله وقلبه على الهداية ، لأن علاقة الكتاب بها تتصل بالفكر الذي يهدي إلى الحق ، والشعور الذي يتفاعل به.
(أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) وهو كناية عن توجّه العذاب إليه بحيث لا مجال لاتّقائه ودفعه عن نفسه بأيّة وسيلة إلا بوجهه الذي يمثّل العضو الذي يندفع الإنسان لحمايته بالدرجة الأولى ، مما يعني أنه لا يستطيع حماية نفسه منه ... والمقصود إثارة هذا النموذج في مقابل النموذج الآخر الذي يوحي به المعنى ، وهو الآمن الذي استطاع بتقواه أن يدفع عن نفسه العذاب بعمله المتحرك في خط إيمانه ، ليعيش الإنسان ـ دائما ـ في هاجس المقارنة بين مستقبل هؤلاء وهؤلاء ، كعنصر أساس من عناصر التصور الواعي للمستقبل الذي يحدد للإنسان موقفه في الحاضر.
(وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) فقد كان كل كسبهم في الدنيا
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
