الجهات ، فتطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، فلا مجال عندهم للخلاص منها بأيّة وسيلة من الوسائل. (ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ) الذين يخافون عذابه ، وينفعلون بتخويفه ليتّقوه في أقوالهم وأفعالهم. (يا عِبادِ فَاتَّقُونِ) لتكفلوا لأنفسكم ولأهليكم الذين تقودونهم إلى التقوى ، النجاة من العذاب ، والحصول على رضا الله ـ سبحانه.
(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ) في ما تمثله هذه الكلمة من الأوثان والأشخاص والقوى الطاغية التي تطرح نفسها ، أو يطرحها الناس للطاعة والعبادة من دون الله بكل مستلزماتها الروحية والعملية ، (أَنْ يَعْبُدُوها) فرفضوا عبادتها من موقع وعيهم للباطل المتمثل فيها من الناحية الرمزيّة والواقعية ، ومعرفتهم بأن الله وحده هو الذي يستحق العبادة والطاعة في كل شيء ، لأنه المالك المهيمن على كل أمر ، وبذلك حددوا موقفهم تحديدا دقيقا. (وَأَنابُوا إِلَى اللهِ) والتزموا نهجه وشريعته ، وأقبلوا عليه في وحدة متكاملة تتضمن الرفض للطاغوت والالتزام بالله ، لأن ذلك هو الذي يحقق خط التوازن في العقيدة والالتزام ، فلا يكفي الإنسان أن يرفض الطاغوت بل لا بد له من أن يحدّد الجهة التي يلتزمها في موقع الإيمان والطاعة ، لأن الله لا يكتفي بالموقف السلبي للإنسان ، بل يجب أن يلتقي بالجانب الإيجابي الذي يمثل حركته في الحياة. وهذا هو ما استطاع هؤلاء المؤمنون أن يؤكدوه عند ما رفضوا عبادة الطاغوت والتزموا عبادة الله ، فجعل (لَهُمُ الْبُشْرى) عند الله ، في ما يبشر الله به عباده من رحمته ورضوانه ونعيمه في جنته ، لأنهم انفتحوا على الحق من موقع التأمّل الواعي والتفكير العميق ، والاختيار الحرّ ، فاستحقوا الكرامة عند الله.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
