المسؤولية (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) لأنه يعلم كل شيء ويعلم من خفايا الإنسان ما لا يعلمه من نفسه.
* * *
الإيمان بين الانفعال والثبات
(وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ) بفعل شعوره بالحاجة التي تحاصره من كل مكان ، وعجزه عن حلّ مشاكله الخاصة أو العامة ، فيرجع إلى الله مبتهلا إليه في إخلاص عميق طارئ يستغرق فيه ، ليشهد الله على قلبه بإخلاصه له (ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) لأن الإنسان الذي لا يعيش في داخله الإيمان العميق بالله ، يرتبط باللحظة الحاضرة من موقع الانفعال الذي تثيره الأوضاع الطارئة ، فإذا زالت قساوة الأوضاع وزال الانفعال المتوتر من داخله ... وهذا هو الفرق بين المؤمن الواعي الذي ينطلق إيمانه من عمق الفكر والمعاناة ، وبين المؤمن المنفعل الذي يخضع في حركة إيمانه للحاجة الطارئة ، فيعيش الأول حضور الله في شخصيته باستمرار ، بينما يعيش الآخر العقيدة بالله في حالة انفعالية سريعة تبدو ثم تزول. ولهذا فإنه يستغرق في أجواء الحس ، ويستمد شعوره من الانفعال بالعظمة البارزة للآخرين من حوله ، وللأسرار المزعومة الموهومة للأشياء المحيطة به ، فتتضخم تصوراته وتنحرف ليتخذ من ذلك كله آلهة من دون الله ، وليتحرك من أجل أن يربط الناس بها ، وهذا هو واقعه الضالّ ، في ما استغرق فيه من شهوات الحس ، (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) مستغلا في ذلك بلاغة كلامه ، وحلاوة منطقة ، وقوّة موقعه ، وكثرة أولاده وأتباعه للتأثير على الناس الذين ينفعلون بهذه الأمور ، في غياب الوعي الفكريّ الناقد والشخصية
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
