كماله وجلاله. وإذا كان الله قد خلق الوجود كله على أساس الحق ، فلا بد للإنسان ، الذي هو جزء من الكون الحيّ المتحرك نحو غاية حكيمة مبنيّة على الحقّ من أن يتحرك على أساس الاختيار الواعي في نطاق تعاليم الله ومنهاجه العملي في الحياة ، في ما أنزله من شرائعه.
وهكذا يرفض الله الباطل في حركتهم ، كما يرفضه في وجودهم ، ولكن الكافرين لا ينسجمون مع الخط الرسالي الكوني ، لاعتقادهم بعبثية الحياة والنهج المرتكز على الباطل في ما يتخيلونه من أفكار ، و (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الذين يعملون وفق الظن لا اليقين ، فيستسلمون لخيالاتهم الطارئة ، ولا ينطلقون مع تفكيرهم العميق المبني على التأمّل والمعرفة (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) التي هي جزاء الكافرين المعاندين لله ولرسله ، وهذا الذي أقام الله عليه الحياة العملية للناس ، محددا الجزاء في العقاب والثواب ، ليجزي المحسنين بإحسانهم ، والمسيئين بإساءتهم ، انسجاما مع مبدأ العدل الذي يرفض التساوي بين السائرين على الخط المستقيم وبين المنحرفين عنه.
(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فهل يمكن أن نجعل هؤلاء المؤمنين والمصلحين لأمور البلاد والعباد (كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ) الذين ينطلقون من قاعدة الكفر الذي يعمل لإفساد التصور في العقيدة ، والحركة في الحكم والمنهج ممّا يسيء إلى التوازن في سير الحياة ، فتفسد أوضاعها العامة والخاصة؟! (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ) الذين يلتزمون أوامر الله ونواهيه ويراقبونه في سرّهم وعلانيتهم (كَالْفُجَّارِ) الذين يرتكبون المعاصي بفجور ويبتعدون عن المعاني الإنسانية الروحية في علاقاتهم بالحياة وبالله وبالناس؟!
وإذا كان الله لا يساوي بين هؤلاء وهؤلاء من موقع الحق الذي يفرض إيصال المحسن أو المسيء إلى حقه المتناسب مع سلوكه ، فلأن ضوابط القيم الإلهية الروحية هي الحاكمة على مسار سلوك الإنسان في علاقاته العامة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
