النقطة الثانية : كيف نفهم المسألة في دائرة فكرة عصمة الأنبياء ، أمام تصريح الآية بالاستغفار والرجوع إلى الله بعد الفتنة التي لم يستطع أن يتجاوزها بنجاح ، فأخطأ في إدارة مسألة الحكم في الجانب الإجرائي منه؟
ربما تطرح القضية ، على أساس أن الخصمين إذا كانا من الملائكة ، فإنها لا تكون تكليفا حقيقيا ، بل هي قضية تمثيلية على سبيل التدريب العملي ليتفادى التجارب المستقبلية على صعيد ممارسته الحكم بين الناس ، تماما كما هي قضية آدم التي كانت قضيّة امتحانية لا تكليفا شرعيّا ، فلم تكن هناك معصية بالمعنى المصطلح ، وبذلك يكون الاستغفار مجرد تعبير عن الانفتاح على الله والمحبة له ، والخضوع له في ما يمكن أن يكون قد صدر عنه من صورة الخطيئة ، لا من واقعها ، وأمّا إذا كان الخصمان من البشر ، فقد يقال بأن القضاء الصادر من داود لم يكن قضاء فعليّا حاسما بل كان قضاء تقديريّا ، بحيث يكون قوله : (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ) ، بتقدير قوله : لو لم يأت خصمك بحجة بيّنة.
ولكن هذا الطرح لا يمنع صدور الخطأ منه ، فإنه لم ينتبه إلى أن الخصمين ملكان ، بل كان يمارس القضاء بالطريقة الطبيعية على أساس أنهما من البشر ، وبذلك فلم تكن المشكلة هي إنفاذ الحكم ليتحدث متحدّث بأن المسألة قد انكشفت قبل إنفاذه ، أو أنها لم تكن واقعية بل كانت تمثيليّة ، بل المشكلة هي الخطأ في طريقة إجراء الحكم.
وفي هذا الإطار لا بد من الاعتراف بأن مثل هذه الأخطاء لا تتنافى مع مقام النبوّة ، لا سيّما إذا كانت الأمور جارية في بداياتها للإيقاع به في الخطأ من أجل أن يكون ذلك بمثابة الصدمة القويّة التي تمنع عن الخطأ في المستقبل.
وقد أكّد الإمام الرضا عليهالسلام ذلك بما روي عنه في عيون أخبار الرضا ، قال الراوي وهو يسأله عن خطيئة داود عليهالسلام : يا ابن رسول الله ما كانت
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
