(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) بما تمثله هنا كلمة العزة من تمرد على الحق وامتناع عن الانسجام معه ، إذ توحي بمعنى القوّة المعقّدة لدى هؤلاء الذين يشعرون بعزة الانتماء للكفر وارتكاب الإثم ، أمّا كلمة الشقاق فتعني المعارضة الشديدة التي تمنع من وحدة الموقف في الفكر والإيمان.
(كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) من الأمم السابقة التي تمرّدت على وحي الله الذي جاء به الرسل كما تمرد هؤلاء ، فذهبوا في غيابات الفناء والنسيان ، (فَنادَوْا) واستغاثوا وأعلنوا الويل ، (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) أي ليس الوقت الذي أرادوا التخلص فيه من العذاب عند نزوله عليهم ، هو وقت الفرار والنجاة ، لأن أوانه قد فات ، فالنجاة لا تكون إلا بالرجوع إلى الله والتوبة عن الكفر في الحالات الطبيعية.
* * *
(وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ)
(وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) ينذرهم بالوحي ، لأنهم يتصورون أن الرسول لا بد من أن يكون من غير البشر ، (وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ) في كلمات غير مسئولة ، ليواجهوا التأثير العقلي والنفسي الذي تعرض له بعض جمهورهم بعد الذي سمعوه من القرآن ومن حلاوة حديثه ، وسموّ أخلاقه ، وروعة أسلوبه. لقد اتّهموه بالسحر ليفكر الناس بالمسألة في هذا الاتجاه الذي يتصل بالقدرة الذاتية على التأثير ، كما يفعل السحرة الذين يتأثر الناس بفنّهم الساحر ، لا بفكرهم ، ولا يفكرون بها من جانب الوحي الذي يمنحه صفة الرسول. وقد نسبوا إليه الكذب ، ليسقطوا الثقة به رغم معرفتهم بصدقه الذي يؤدّي إلى الثقة بما ينقله عن الله من الوحي القرآني النازل عليه ، وليؤكدوا للناس بأنه قد انحرف عما كان معروفا عنه من خلق الصدق في ما يدعو إليه ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
