الهادفة للتحرر من سيطرة الاستكبار المتألّه الذي كان يضغط على حرية الناس ويستذلّهم ويستعبدهم ويستضعفهم ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، ويمنعهم من التمتع بأبسط شروط الإنسانية في معناها الحيّ الذي ينفتح على حرية الإنسان ، في قراره وحركة مصيره ، وعلاقته بالناس والحياة من حوله ، وكان النصر في النهاية لقوّة الرسالة الواعية الصابرة ، حيث أسدل الستار على مشهد غلبة المستضعفين الذين عاشوا إرادة الحرية في حركة الإيمان تخلصا من عقدة الاستكبار الذاتي الذي يختزن العظمة المعقدة والمنتفخة بمشاعر القوّة الطاغية التي لا تحمل مضمونا فكريا إنسانيا ، ولا تتحرك في امتداد الرسالة ، بل تحمل القهر والتعسف والإذلال للآخرين.
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ) في ما أنعمنا به عليهما من القوّة المتمثلة بالرسالة المؤيّدة بالكرامة الإلهية في أجواء الإعجاز ، ومن الأسباب الواقعية التي انتهت بالوصول إلى النتائج الكبيرة في السيطرة على ساحة الصراع ، (وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الذي كان يتمثل بالحالة النفسية الصعبة المرهقة تحت تأثير القهر الضاغط على إنسانيتهم وحريتهم ، وهو ما عاشوه في واقع الاستضعاف المقهور أمام الاستكبار ... وكانت لهم حريتهم التي ملكوا فيها حياتهم ، وعادوا من خلالها إلى إنسانيتهم التي تملك أن تريد وأن لا تريد.
(وَنَصَرْناهُمْ) على فرعون وقومه (فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ) بما مكنهم الله من القوّة المعجزة التي استطاعوا ـ من خلالها ـ الخروج من مصر ، بطريق البحر الذي انفلق عن اليابسة مما سهل مرورهم ، ثم طغى البحر فأغرق فرعون وجنده فهلكوا جميعا. (وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ) الذي يظهر الأمور الخفية التي يحتاج الناس إلى معرفتها ، ويفتح لهم آفاق المعرفة في قضايا العقيدة والحياة ، (وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) في ما رسم الله لهما من الخطط المتحركة في خط الاستقامة المؤدي إلى الحق الواضح في مفاهيم الحياة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
