في سلامة مصيره واستقامته في موقفه ، (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) في ما يرحم به الله عباده الذين ينفتحون عليه بعد الغفلة ، ويتوبون إليه بعد المعصية ، ويرجعون إليه بعد الضلال ، ولكنهم لا يستجيبون لهذا النداء الناصح ، بل يستمرون في ضلالهم ، فلا يخافون عذابا ولا يرجون ثوابا.
(وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ) التي تفتح عقولهم وقلوبهم على معرفة الله وعبادته وتقواه (إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) فلا يفكرون فيها ، ولا يتعمّقون في دلالاتها ، بل يواجهونها بطريقة اللّامبالاة التي لا تحترم الفكر ، ولا تهتم بالمصير.
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) على الفقراء والمساكين ممن يعانون الحرمان من العيش الكريم ، فقد رزقكم الله هذا المال لتستمتعوا به في حاجاتكم الخاصة ، ولتنفقوا منه على الناس الذين يحتاجون إليه ، ممن جعل الله رزقهم على أيديكم ، في ما نظّم الله به الرزق لعباده ، لأن المال لا يمثل امتيازا إلهيّا لمالكيه ، بل يمثل المسؤوليّة الملقاة على عاتقهم في طريقة الإنفاق ، وفي حدوده ، (قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا) لقد أراد المؤمنون أن يستثيروا في نفوس الكافرين روحية العطاء ومسئوليته ، من خلال الإيحاء الخفيّ ، بأن الرزق الذي بأيديهم من الله ، فلا يخافون حاجة عند إنفاقه وعليهم أن يستشعروا الخوف من فقدانه عند التمرّد على نداء الله في ذلك ، لأن الرب الذي أعطى ، قادر على أن يأخذ منهم ما أعطاه لهم ، ولكن الكافرين كانوا يفكرون بغير هذه الطريقة فقالوا لهم : (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) فإذا كان الله موجودا فعليه أن يطعم عباده الفقراء ، كما أطعمنا ، ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم لأن إرادته لا تتخلف عن مراده ، فلما ذا يكلّفنا أن نقوم بذلك ولماذا حرمهم؟ وهكذا فإنكم تتنكرون لعقيدتكم بالله ، عند ما تؤكدون وجوده وتطلبون منا الإنفاق على عباده (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) في النهج الذي تنتهجونه ، وفي الخط الذي تسيرون عليه ، وفي الكلمات التي تثيرونها.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
