وهكذا أعلن لقومه القاعدة التي ترتكز عليها دعوته لهم لاتّباع الرسل ، ثم أراد أن ينقلهم إلى جوّ جديد ، ليحدثهم عن تجربته الإيمانية الذاتية ، وعن خلفيتها الفكرية من جهة الإيمان بالله وإنكاره للشركاء المزعومين ، والهدف أن يقطع عليهم طريق الدخول في جدل معه حول الخصوصيات التي تحيط بمسألة اتّباع الرسل ، فتتخذ المسألة بعدا جدليّا شخصيا ، يبعد القضية عن المعنى الإيمانيّ في مضمونه الفكري ، وكأنّه يريد أن يعلن لقومه ما أعلنه الرسل من خصوصية الإيمان أو ما أراد الرسل أن يمتدوا في بيانه ، فمنعهم القوم من ذلك.
(وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) فهو الذي خلقني من العدم ، فكان وحده المستحق للعبادة ، من موقع ألوهيته المطلقة في كل صفاته ، فليس لغيره من القدرة إلا مما هو منحة له ، وعطيّة منه ، فهم المخلوقون له من الموقع الذي أنا مخلوق له ، فما الذي يميزهم عني حتى أعبدهم من دونه ، وإذا كان موقعي من الله هو موقع المملوك من المالك ، والمألوه من الإله ، فكيف لا أعبده ، لأقوم بشكر نعمته عليّ ، ولأواجه مسئوليتي أمامه عند ما أرجع إليه ، وإذا كان من اللازم عليّ أن أعبده لأني مخلوق له فلا بد من أن أواجه موقفي في خط العبودية ، ولا بد لكم يا قوم من أن تعبدوه ـ على هذا الأساس ـ وتواجهوا الحقيقة النهائية عند ما تقفون بين يديه ، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيحاسبكم على أعمالكم في دائرة الإيمان والطاعة ، أو في دائرة الكفر والمعصية. (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) ممن تعبدون ، أو مما تعبدون منها ، وهي لا تملك أيّة ميزة في ساحة القدرة ، فلا تستطيع أن تدافع عن الذين يؤمنون ، أو يرتبطون بها ، (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ) مما ينزله على عباده من بلائه ، أو مما يوقعه بهم من عقابه (لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً) في ما يعتقده الناس بهم من الدرجة الرفيعة عند الله من حيث إنهم الآلهة الوسطاء الشفعاء الذين يعبدهم الناس ليقربوهم إلى الله زلفى ، ولكنها عقيدة خاطئة ، فهؤلاء لا يمثلون شيئا من الامتيازات الذاتية
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
