بين القوم ليرفع صوته بنداء قويّ حاسم.
(وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى) ويسرع في المشي ليعلن موقفه الذي كان يخفيه عن قومه ، أو كان لا يجد ضرورة لإعلانه ، انتظارا لما قد يحدث من إيمان قومه بهؤلاء الرسل ، ولكنه الآن يجد المسألة قد بلغت حدّا كبيرا من الخطورة ، فلم يرتفع من بينهم أيّ صوت مؤمن مما يدلّ على سيطرة الكفر على الموقف كله ، بحيث لو كان هناك مؤمن في الخفاء ، فإنه قد يخاف أمام هذه السيطرة أن يعلن موقفه ، ولذا رأى من واجبه أن يقول كلمة الإيمان مقابل كلمات الكفر ، ليؤكد للإيمان موقفه ، وليفسح المجال للمترددين أن يحسموا أمرهم إلى جانب الرسل ، وليخرق الإجماع الكافر ولو بصوت واحد.
(قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) الذين يدعونكم إلى توحيد الله وعبادته والسير على خط هداه ، (اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً) فقد قدّموا إليكم النصح والهداية ، وعملوا بكل جهدهم في سبيل الله ، لترجعوا إليه ، من دون أن يطلبوا منكم أيّ أجر في مقابل ذلك ، فهم ليسوا من المرتزقة الذين يتوصلون إلى تحصيل المال من خلال الشعارات الجذّابة التي يرفعونها ، أو تحصيل الجاه من خلال المواقع التي يضعون أنفسهم فيها ، بل هم من الرساليين الذين عاشوا الهداية فكرا وروحا وعملا ، (وَهُمْ مُهْتَدُونَ) فأرادوا أن يبلغوها للناس ، ليهتدوا بها ، كما اهتدوا هم بها ، لأنهم يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم. ولذلك فلا بد لكم من دراسة العمق الرساليّ في شخصياتهم ، والروح المخلصة في موقفهم ، والبعد عن كل منفعة في طروحاتهم ، لتعرفوا أن دعوتهم دعوة حقّ وخير وصلاح ، وليست دعوة باطل وشرّ وفساد ، لأن دعاة الحق هم الذين يغريهم الحق بالتضحية في سبيله من خلال ارتباطه بالله ، أمّا دعاة الباطل ، فإنهم لا يجدون أساسا للتضحية لأجله ، بل همهم ما يكسبونه من مال أو شهوة أو جاه.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
