اختلاف ألوان الثمرات ما دام العنصر المائي ـ الذي هو أقوى العوامل في نموّها وتكوّنها ـ واحدا؟ وكيف حدث التنوّع من موقع الوحدة؟ وإذا كانت العوامل الأخرى المؤثرة فيها مختلفة في العناصر الكامنة في ذاتها ، فيبقى السؤال عن السرّ الكامن وراء اختلاف تلك العناصر ، لكن الجواب الذي يلاحق السؤال في كل مواقعه لا يمكن أن يقتصر في رد السبب إلى الوحدة الكامنة في أعماق المادّة ، فرد الاختلاف في الألوان إلى جانب الاختلاف في الأشكال وغيرها يتمحور حول الله الذي أبدع ذلك كله بقدرته ، فهي التي تفسّر الحقيقة في عمق أسبابها ، فالأسباب المباشرة تلامس السطح ، وتبقى تبحث عن العمق ، (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ) فها نحن نجد الجبال في أشكالها وألوانها أو في طرائقها تتنوع بين ألوان بيض وحمر وسود شديدة السواد ، وهذا هو معنى الغرابيب ، (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) من اللون الأبيض والأسود والأحمر والأصفر ، كما هي الثمرات والجبال ، فكيف تنوّعت هذه الألوان؟ ومن أين جاء هذا التنوّع؟
(كَذلِكَ) خلق الله التنوّع الذي يدل على عظمته وسرّ إبداعه وامتداد قدرته ، مما يفرض على الناس أن يفكروا فيه ويتأملوه ، ويختزنوه في عقولهم فكرا ، وفي قلوبهم شعورا وحركة في العبادة تعبر عن الالتزام العملي بالإيمان بالله ، فإن النفس لا تعيش الخوف والرهبة والانقياد إلا من خلال شعورها بالعظمة لمن تخافه ، أو تنقاد له.
* * *
خشية العلماء من الله
(إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) فهم الذين استطاعوا ـ بعلمهم ـ أن
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
