الرسل ، فلا بد من أن ينسجم الرسل مع الأجواء العامة التي تحكم حياة أقوامهم ، لجهة ما يعتنقونه من أفكار ، وما يضعونه من مشاريع ، وما يتخذونه من مواقف ، وإلا فليلتمسوا بلادا أخرى يعيشون فيها ، حتى لا يهدموا وحدة الأمة. وبذلك فإن العودة في ملة الكفار التي اشترطها أولئك على الرسل لا تعني أن الرسل كانوا كفارا كما يدل المعنى الحرفي للعبارة ، لأن ذلك لا ينسجم مع التاريخ الإيماني للرسل ، بل إنهم كانوا غير معارضين بالمعنى الحركي للكلمة ، وإن كانوا كذلك بالمعنى الفكري للإيمان. وهكذا وقف الكافرون ليطرحوا عليهم الابتعاد عن خط المعارضة والتحدّي في حركة الإيمان تحت تأثير التهديد بالإبعاد عن أرضهم. إنهم يستضعفون الرسل ليخضعوا لمنطق القوّة ، لأن الرسول كان وحيدا في البداية والجميع ضدّه إلا من اتبعه من الضعفاء.
ولكن الله لا يترك رسله لهذا الموقف الذي يضغط عليهم بكل قوّته وجبروته ، (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) ، فهذه هي إرادة الله في إهلاك هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ، وظلموا الناس من حولهم ، بعد أن أقام الله عليهم الحجة تلو الحجة من خلال الرسل ، فلم يأخذوا بأسباب الإيمان ، بل أمنعوا في خط الكفر والعناد والضلال. وهكذا أراد الله أن يعيش الرسل الشعور بالقوّة ، عند ما يتابعون الموقف بصلابة وقوة ، ويستقرون في أرضهم بعد أن يخرج منها الظالمون إلى غير رجعة بعد أن يهلكهم الله ، (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) ، فتكونون أولى بالقوة ، ويكونون أولى بالسقوط ، (ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ) فراقب الله في كل مواقفه وخشي عذابه الذي توعّد به المنحرفين عن هداه ، فأطاع الله في كل أوامره ونواهيه.
(وَاسْتَفْتَحُوا) ، أي طلبوا الفتح والانتصار على الرسل ومن اتبعهم من المؤمنين ، ولكنهم لم يحصلوا على شيء مما أرادوه ، (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) من هؤلاء الذين عاشوا الكبرياء ، في ما كانوا يتمتعون به من مال وجاه
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
