(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) ، وهو يريد تذكيرهم بأيام الله السالفة التي أهلك فيها فرعون وقومه ، وأنقذهم فيها ، بطريقة معجزة مثيرة ، لا يملك القدرة عليها إلا الله ، (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) وظلمهم وبغيهم (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ) بمختلف الوسائل التي يملكونها ، والأوضاع التي يفرضونها (وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ) لئلا ينشأ جيل جديد ، يملك أمره ، ويستعد للوقوف بقوّة أمام الطغيان والاستعباد ، من مواقع الشعور بالعزّة وإرادة الحرية ، مما يجعل من وسائل الإبادة الشاملة ، الحلّ للهواجس المرعبة التي تطوف بأذهان الطغاة والمستكبرين الذين لا يستطيعون مواجهة شعوبهم بمنطق العقل والعلم والإقناع ، فيلجئون إلى منطق القهر والقتل والإذلال ، (وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ) إبقاء للنساء لخدمة بيوت الطغاة ، (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) وأي بلاء أعظم من هذا البلاء الذي يشعر فيه الإنسان بانسحاق إنسانيته تحت إرادة هؤلاء الذين يعطون لأنفسهم الحق في التحكم بمصائر الناس وإبادتهم ، والضغط على حرياتهم ، والقضاء على مستقبلهم؟
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ) بما يعنيه الأذان من إعلان عن الإرادة الإلهية التي تحدد لهم الخط المستقيم الذي يحكم علاقتهم بالله في جانب الرحمة والنقمة ، أو في طبيعة الثواب والعقاب ، (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) في مفهوم الشكر العملي الذي يقتضي استعمال نعم الله في طاعته ، للحصول على رضاه ، تعبيرا عن الامتنان الروحي والعملي له ، فإن ذلك قد يحقّق زيادة في نموّ النعمة ، على أساس أن النعمة التي تتحرك في نطاق ظروفها الطبيعيّة ، لا بد من أن تحقق قدرا كبيرا من النتائج يزيد عما إذا كانت حركتها بعيدة عن ذلك. وربّما كانت الزيادة وعدا من الله لهم ، بما يريد أن يفيض عليهم في الدنيا من كثرة النعم ، أو بما يريد أن يفيضه عليهم في الآخرة بإدخالهم جنته والحصول على رضاه ، فإن ذلك يعني انضمام نعم الآخرة إلى نعم الدنيا ، باعتبار أن ذلك يمثّل مضمون الزيادة ، والله العالم.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
