فإن المراد به ـ في الظاهر ـ هو الكتاب المنزّل على موسى وعيسى وغيرهما ، وهم اليهود والنصارى والمجوس.
وقد يكون المراد منهم أهل الكتاب الذين عاشوا في بداية البعثة كما يذكر صاحب تفسير الميزان فيقول : وقد أثبت التاريخ أن اليهود ما كانوا يعاندون النبوّة العربية في أوائل البعثة وقبلها ، ذاك العناد الذي ساقتهم إليه حوادث ما بعد الهجرة ، وقد دخل جمع منهم في الإسلام أوائل الهجرة وشهدوا على نبوّة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وكونه مبشرا به في كتبهم ، كما قال تعالى : (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) [الأحقاف : ١٠].
وأنه كان من النصارى قوم على الحق من غير أن يعاندوا دعوة الإسلام كقوم من نصارى الحبشة على ما نقل من قصة هجرة الحبشة وجمع من غيرهم ، وكذا كان المجوس ينتظرون الفرج بظهور منج ينشر الحق والعدل وكانوا لا يعاندون الحق كما يعانده المشركون ، وهو قريب (١).
(وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ). ربما كان المقصود بهم هؤلاء الذين ينكرون التوحيد بمعناه القرآني ، ويلتزمون التثليث ويختلفون مع الإسلام في بعض مفاهيمه وأحكامه ، ويمتنعون عن الإيمان بالإسلام ، انطلاقا من الحالة الحزبية التي تغلق عليهم نوافذ التفكير وتضع الحواجز الذاتية والعصبية بينهم وبين معرفة الحقيقة.
ولكن الله يريد لنبيه أن لا يضعف أمام حالة الإنكار ، ولا يتراجع عن دعوته ، لأن القضية لديه واضحة وضوح الحقيقة في خط الوحدانية التي يبدأ فيها كل شيء من الله وينتهي إليه ، لجهة تأكيد المفاهيم الإيمانية ، وحل الإشكالات ، ومواجهة التحديات. إنها الدعوة التي تختصر كل شيء بكلمة التوحيد في الحياة كلها.
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ١١ ، ص : ٣٧١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
