لا كعقوبة على العمل ، بل كنتيجة طبيعية لخصائص ذاك العمل في طبيعته ، تماما ، كما هي النتيجة المتصلة بمقدمتها ، والسبب بمسببه ، وذلك قوله تعالى : (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) فهم يجوعون لأن أعمالهم السيئة تؤدي إلى الفقر الذي ينتج الجوع ، وهم يخافون لأن المشاكل والمعارك التي يثيرونها تطرد الأمن.
وما يريد الله أن يثيره هنا هو علاقة العمل بنتائجه السلبية أو الإيجابية في الدنيا والآخرة ، ليتمثّل الإنسان معنويا صورة عمله السيئ في الآخرة مقابل ما تمثّله فيه من صورة إيجابية مادية في الدنيا ، ذلك أن النتائج السلبية للعمل السيئ ، تقلب الصورة التي كان عليها العمل في الدنيا رأسا على عقب. وهذا ما ينتظر الذين يواجهون الرسول بالتكذيب (وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ) الدنيوي أو الأخروي (وَهُمْ ظالِمُونَ) أنفسهم لما اختاروه لها من مصير مظلم بسبب أعمالهم المظلمة (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً) ومن الحلال الطيب يلتقي الإحساس باللذة المادّية ، التي يشتمل عليها خصائص المطعم والمشرب ، بالإحساس باللذة المعنوية ، الذي يصنعه الشعور برضوان الله من خلال ما رزقه الله ، حيث يتحول الاكتفاء بالحلال إلى طاعة وعبادة باعتباره وسيلة من وسائل الامتناع عن الحرام .. (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ) ، في ما رزقكم إياه ، بالوعي الروحي الذي يرى الله في كل نعمة ويحس بمسؤوليته عنها في كل ما يتصل بها من شؤون الحياة ، وفي ما جعله الله لها من دور في واقع الإنسان ومصيره (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) فإن للعبادة أنواعا كثيرة ، منها أن يذكر الله في نعمه ، فيشكره بلسانه ، وبإحساسه الوجداني بارتباطها به ، وبممارسته العملية في تحقيق الغاية الكبيرة منها في حياة الناس .. وبهذا يلتقي الشكر بالالتزام الروحي والفكري بعبادة الله ، كما يعني الكفر بالله ، الكفر بنعمه بالقول والفعل.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
