ويتعلّق قلبه بربه الحق الذي هو يحق كل حق بكلماته ، فلا يريد إلا وجهه ولا يحب إلا قربه ، ولا يخاف إلا سخطه وبعده ، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلّدة لا يدبّر أمرها إلا ربّه الغفور الودود ولا يواجهها في طول مسيرها إلا الحسن الجميل ، فقد أحسن كل شيء خلقه ، ولا قبيح إلا ما قبحه الله من معصيته. فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء والكمال والقوة والعزة واللذة والسرور ما لا يقدّر بقدر ، وكيف لا ، وهو مستغرق في حياة دائمة لا زوال لها ونعمة باقية لا نفاد لها ولا ألم فيها ولا كدورة تكدرها ، وخير وسعادة لا شقاء معها» (١).
وهذا تفسير جميل ، وتحليل جيد للمعاني الروحية التي يختزنها الإيمان في نفس المؤمن العامل بالصالحات ويثيرها في مشاعره وأجوائه ، ولكن المسألة هي التقاء هذا التحليل مع سياق الآية التي وردت لبيان الجزاء الذي يمنحه الله للإنسان الذي يعمل الصالحات وهو مؤمن ، مما يوحي بأن هذه الحياة التي يمنحها الله له مفصولة عن الواقع الذي يعيشه الآن ، وليست حالة وجدانية أو عملية في دائرته. وقد نلاحظ أن ما ذكره هذان المفسران الجليلان وغيرهما ، هو من آثار الإيمان ، بينما تعتبر الآية أن الحياة الطيبة جزاء العمل الذي ينطلق من الإنسان المؤمن ، والله العالم ، ولعل الأقرب ، هو أن يكون المراد منها الدار الآخرة ، أو الجنة ، أو ما أشبه ذلك.
(وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) وقد تقدم الحديث عما يماثل تفسير هذه الفقرة في الآية السابقة. وقد يخطر بالبال أن المراد بالأحسن ليس ما يقابل الحسن ، بل ما يقابل السيئ ، وذلك في ما نلاحظه دائما في مجال الحديث عن الثواب والعقاب ، في الحديث عن الحسنة في مقابل السيئة ، مما يوحي بأن المراد من الأحسن ، هو الحسنة ، كما قد نلاحظ
__________________
(١) م. س. ، ج : ١٢ ، ص : ٣٤٢.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
