وبالتالي فإن تحديد مسئولية الإنسان في دائرة قرابته ، ليس نوعا من أنواع تأكيد العصبية العائلية ، بل تدبيرا قائما على الملاءمة بين إمكانات الواقع والتشريع ، بحيث يمكن الانطلاق منه في تعميق روح العطاء من خلال مشاريع تكافلية أوسع على مستوى الوضع العام لعلاقاته الاجتماعية الأخرى الواسعة.
(وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي من الخطوط الأخلاقية العامة التي تقع في الجانب السلبي من بناء الشخصية الإسلامية ، وهي عناوين تلتقي معا في أكثر من مصداق خارجي ، على الرغم من اختلاف الجانب الذي ترتبط به في واقع الإنسان الذهني والنفسي والعملي ، فالفحشاء تمثل الأفعال والأقوال القبيحة التي تتجاوز العرف ، وتقتحم المستور من حياة الناس وعلاقاتهم ، على المستوى الجنسي خاصة ، وتمس شرفهم الشخصي أو العائلي. أما المنكر ، فيطلق على ما يقابل المعروف ، وبذلك فإن مضمونه هو الفعل أو القول الذي يستنكره الناس لقبحه ، أو لمفسدته ، أو لضرره ، وما إلى ذلك. ولعل من الطبيعي أن يستلزم هذا المضمون دخوله في دائرة ما ينكره الله شرعا وما يريد للناس أن ينكروه في واقعهم ، استنادا إلى المبررات الفعلية لذلك ، سواء تعارفوا على إنكاره ضمن مقاييسهم تلك أم لا.
أما البغي ، فالمراد به العدوان بالكلام أو الفعل على الناس ظلما ، سواء تم ذلك في دائرة العلاقات الخاصة ، أو العامة ، وسواء طال حياتهم الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية وغيرها من المجالات حيث تتوسع حقوق الناس لتتمثل في حق الأمة في الحكم العادل ، وحق الإمام العادل في طاعة الأمة له ، وحق الناس على بعضهم البعض في الأمور المتصلة بأوضاعهم القانونية أو الشرعية والأخلاقية. فيتحول كل انتقاص من هذه الحقوق ، أو اعتداء عليها ، إلى عنوان للبغي وللظلم وللعدوان.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
