تسخير الطير
(أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ) حيث تملأ أنواعها المختلفة الفضاء. فهي بأجنحتها التي تنقبض وتنبسط عند التحليق ، تؤدي ما سخرها الله له من مهمّات تتعلق بها وبالحياة من حولها ، ضمن نظام الكون الدقيق حيث تتوزع المخلوقات الأدوار فيه ، فلكل مخلوق دوره الذي قد يتحرك فيه بفطرته وغريزته وقد يتحرك فيه بقوانينه الطبيعية التي أودعها الله فيه ، ويمارس حركته الذاتية بقدرة الله الذي جعل لكل شيء سنّة من سننه التي ترتبط فيها المسببات بأسبابها ، فهو الذي يخلق السبب ويودع فيه سرّ السببيّة ، كما يخلق في المسبب معناه وخصوصياته. وبذلك لا تكون إرادة الله للأشياء منافية لعلاقة الأشياء بأسبابها ، كما لا يكون قانون السببيّة بعيدا عن ارتباط الأشياء كلها بإرادة الله ... وذلك هو معنى التوحيد في الإسلام ، الذي لا يلغي التفسير العلمي للأشياء ، بل يؤكده انطلاقا من إرادة الله التي تعلقت بالأشياء من خلال قانون السببية في الكون. وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى عن الطيور : (ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ) ، فهو الذي منحها هذا التماسك الذي يمنعها من السقوط ، حيث لا أرض تقف عليها ، ولا قاعدة تستند إليها ، بما أودعه في أجنحتها وتكوينها الجسدي من خصائص تمنحها القدرة على الطيران الذي يتلاءم مع أجواء الفضاء ، (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فيعيشون روح الإيمان من خلال اكتشاف أسرار العظمة في خلق الله في هذه المخلوقات الطائرة ، ويتعمّق هذا الإيمان في قلوبهم ، بتعمق الفكر في دلالات هذا النظام العجيب في خلق الكون وما فيه من موجودات.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
