لإرادته في ما أودعه الله فيها من قوانين كونية تحكم وجودها ومسيرتها. وفي ذلك تمثل سجودها الكونيّ لله كغيرها من الموجودات ، في حالة من الصغار والانسحاق المطلق أمام قدرة الله ، الذي لا تملك عنه استقلالا لا في الوجود ولا في الحركة.
إن معاينة خضوع هذه الموجودات التكويني لله ، يوحي للناس بضرورة التأمل في الحقيقة الإلهية المبدعة التي هي سرّ هذا الوجود.
* * *
كل المخلوقات تسجد لله
(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ) ويشمل السجود كل المخلوقات الحية التي تدبّ على الأرض من إنس وجن وحيوان ، في حركتها المحكومة للسنن الإلهية ، ذلك أن التذلل والخضوع التكويني أو الإرادي لله ، يحمل معنى السجود وحقيقته ، وإن لم يتمثل فيه الشكل المادي للسجود.
(وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) ، أفرد الملائكة عما يدب في السماوات والأرض ، لأن لها وجودا متميزا في طبيعته وفي حركته وفي الآفاق الروحية التي ينطلق فيها ، ولكن ذلك الوجود المميز لا يدفعهم إلى الشعور بضخامة الذات بالمستوى الذي ينسيهم موقعهم من الله ، وحاجتهم المطلقة إليه في كل شيء ، كما يفعل الغافلون من عباد الله الذين يستكبرون عن عبادته لاستغراقهم في ذواتهم ، وغفلتهم عن كل شيء أو حقيقة تحكم الوجود خارجها ، الأمر الذي يقودهم إلى نسيان الله والاستكبار في شعور مرضيّ بالعلو والرفعة والكبرياء.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
