قال ـ رحمهالله ـ : «وهذه حجج ثلاث ، نسب الأولى إلى الذين يتفكرون ، والثانية إلى الذين يعقلون ، والثالثة إلى الذين يتذكرون ، وذلك أن الحجة الأولى مؤلفة من مقدمات ساذجة يكفي في إنتاجها مطلق التفكر ، والثانية مؤلفة من مقدمات علمية لا يتيسر فهمها إلا لمن غار في أوضاع الأجرام العلوية والسفلية وعقل آثار حركاتها وانتقالاتها ، والثالثة مؤلفة من مقدمات كلية فلسفية إنما ينالها الإنسان بتذكر ما للوجود من الأحكام العامة الكلية كاحتياج هذه النشأة المتغيرة إلى المادة ، وكون المادة العامة واحدة متشابهة الأمر ، ووجوب انتهاء هذه الاختلافات الحقيقية إلى أمر آخر وراء المادة الواحدة المتشابهة» (١).
ولكن نرى في ذلك لونا من التكلف ، لأن إدراك الصلة بين هذه الأمور في خصائصها العلمية وأسرارها الكونية ، يحتاج إلى فكر وعلم يتحركان في دائرة العقل ، وينطلقان من وعي يعتبر المعرفة مصدرا للتذكر والاعتبار ، فليست المسألة مسألة حاجة الأولى إلى مطلق التفكر ، والثانية إلى عمق التصور العقلي ، والثالثة إلى حركة الفكر الفلسفي ، بل المسألة هي تنوع في التعبير البلاغي ، لأن فهم خصائص كل منها سواء أكان في الأرض أم في السماء ، يحتاج إلى عمق في الدراسة ، وإلى جهد في الاكتشاف ، أما الربط بينها وبين الحقيقة الإلهية ، فإنه يحتاج إلى إعمال الفكر والعقل للوصول إلى التذكر والاستنتاج من خلال المعرفة.
* * *
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ١٢ ، ص : ٢١٥.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
