وفي كل شيء يحكم حركتها في الحياة ، فتحس هذه المخلوقات كلها بأن كل شيء صغير أمام عظمته ، وأنه هو وحده العظيم المنزّه عن كل قبيح وعن كل شريك ، فترتفع أصواتها بالتسبيح له : (تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
* * *
خلق الإنسان من نطفة
(خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ) ، لا تمثّل شيئا مهمّا على مستوى الحجم ، بل هي نقطة منيّ صغيرة تتحول إلى مضغة فعلقة تندرج في دور التكامل الجسدي لتصبح صورة إنسان كامل ينطق ويفكر ويتحرك ، ويبتعد عن الإحساس بحقارة البداية ، (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) يجادل في الله ، ويخاصم في شؤون العقيدة ، وقد يقوده الجدال إلى الكفر ، وقد تؤدي به المخاصمة إلى الضلال ، وقد يتساءل عن وجوده كيف بدأ ، دون أن يفكر بالأفق الأعلى الذي يفسر هذا الوجود وكيفية خضوعه للحتمية التي تربط بين حركة الممكن في الكون ، وبين إرادة الواجب في وجوده ، كما قد يتساءل كيف يمكن أن يبعثه الله من جديد ، بعد أن يتحول إلى تراب ، لأنه لا يفكر ببدايته التي كانت من عدم ، حيث لا يستبعد أن تكون النهاية عودة للوجود من خلال ما كان ، وإرادة في حركة الشكل ، مع وحدة الجوهر.
وفي ذلك إيحاء إلهي للإنسان بأن الخصام والجدال قد يطرقانه في زهو كاذب ، وعظمة فارغة ، بقدرته على الوصول إلى نتائج ضخمة ، يؤكد من خلالها ذاته ، فيبتعد بذلك عن التفكير في عمق الأشياء لجهة ما انطلقت منه ، وما ارتكزت عليه ، مما يؤدي به إلى الكفر والضلال ، عند ما يبتعد عن نقطة الانطلاق التي ركز الله السماوات والأرض عليها ، وهي الحقّ الذي لا ريب فيه.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
