التي كانت مشرقة بضوء النهار ، (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) لأن الفكر إذا تحرّك على مستوى الظواهر بما توحيه وتدلّ عليه ، يستطيع أن يدرك طبيعة الحكمة في انسجام القوانين المشتركة التي تخضع لها تلك الظواهر ، وفي الأسرار البديعة التي تختزنها خصائص كل واحدة منها ، فينتهي إلى الإيمان عند الإله الواحد الذي يبرر معنى وجود الكون وحركته السائرة إلى مستقرها المرسوم.
(وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ) متقاربات في الموقع والطبيعة والجو ولكنها مختلفة من طيبة إلى سبخة ، ومن صلبة إلى رخوة ، ومن صالحة للزرع والشجر إلى أخرى عكسها ، مع التقائها جميعا على طبيعة واحدة ، هي خصوصيتها الأرضية ، (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ) تختلف في أشكالها وأنواعها وخصائصها ، (وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ) ، والصنوان جمع صنو : وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد ، (وَغَيْرُ صِنْوانٍ) وهي النخلة ذات رأس واحد ، في مقابل النخلات الأخرى ، (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ) فلا فرق بين الماء الذي تسقى به هذه ، والماء الذي تسقى به تلك ، فمن أين جاء هذا التغاير في الخصائص ، (وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) إذ تتميز كل واحدة عن الأخرى في إنتاجها ، وإذا كان التمايز موجودا في الأسباب الأولى ، فكيف يكون تفسير ذلك على المستوى الأعمق الذي يلتقي فيه الجميع عند طبيعة واحدة لا تملك أيّ نوع من أنواع التمايز ، مما يبعث على التساؤل من جديد : كيف حدث هذا ، ومن أين ، ومن الذي أودع سرّ التنوّع في الأشياء ما دامت الأشياء لا تملك في ذاتها ما يحتم تمايزها! (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ويحرّكون عقولهم لمعرفة الحقيقة الإيمانية التي تشير إلى أن الله وحده هو الذي أبدع ذلك كله ، وهو الذي أودع في الطبيعة الواحدة سرّ الاختلاف في الأنواع والأصناف والأفراد.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
