توجه إليه ، وبالموقف الشرير الذي يتحدى الخير فيه ، وبالمشاكل الصعبة التي تعترضه ، مما يجعل الإنسان محاصرا بالتحديات من كل جهة ، فيضيق صدره ، وتثور مشاعره ، وتتوتر أعصابه ، إنها الحالة الطبيعية التي تحدث لكل بشر ، والنبي بشر ، ينفعل بما ينفعل به الآخرون ، ولكن الفرق بينه وبينهم ، هو أن الانفعال ينطلق في حياته من قاعدة الرسالة ، بينما ينطلق في حياة الكثيرين من موقع الذات ، وهذا ما يجعل من انفعاله في مواجهة التحديات ، عنصرا رساليا لا ينتج حالة سلبيّة في مستوى العقدة ، بل ينتج حالة روحيّة مبتهلة إلى الله ، في مستوى الموقف ، ولهذا رأينا الرسول ، في المواقف الصعبة التي يضغط فيها أعداء الله عليه بالكلمة والموقف ، يلجأ إلى الله في ابتهال المتضرع ، وخشوع الخاضع ، الذي يرجع إلى ربّه ، ليستعين به على ذلك كله ، ولهذا كانت تتمة الآية (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) وأخلص له ، وافتح قلبك لآياته ، وعش في رحابه ، فستجد كل الحنان والرحمة والعطف واللطف ، الذي يرفعك إلى الآفاق الروحية العليا ، حيث ينفتح لك ألف أفق وأفق من السماوات المليئة بالأمل الكبير في نصر الرسالة على خصومها ، وانفتاح الدرب للسائرين على هداك ، الحالمين بالجنة الخضراء في ظلال الله ، (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) الذين تتحول حياتهم كلها إلى سجود لله بالوجه والفكر والقلب والحياة ، فلا خضوع إلا لله ، ولا فكر إلا من خلال وحيه ، ولا عاطفة إلا في آفاق رضاه ، ولا حركة للحياة إلا في الاتجاه الذي يرعاه دينه ، وتخطط له شريعته. إنه السجود الكوني الذي يتّحد فيه الإنسان مع السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم ، والبحار والأنهار والطيور والحيوان والنبات ، وكل الموجودات التي تسجد له ، من خلال حركة الإبداع في عمق وجودها ، ومظهر الحق والجمال في ذاك الوجود ، الذي يتحول إلى تسبيح بحمده ، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء : ٤٤]. لأن للتسبيح لغة تتنوع حسب تنوّع مظاهر الوجود في الكون ، كما أن للسجود معنى ، يختلف حسب اختلاف عمق
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
