ونواهيه (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ) ... بما تمثله اللعنة من إبعاد عن رحمة الله ، لأنه افتتح معصية الله في الكون من موقع الكبرياء الذي يبغضه الله لأنه رداؤه الذي تفرّد به ، فكيف إذا كان ذلك الكبرياء سبيلا للتمرد عليه في مواجهة أمره المباشر ، وهكذا كانت هذه المعصية مميّزة عن بقية المعاصي ، لأن إبليس كان مصرّا على الاستمرار في مواجهة الأمر الإلهيّ بالتمرّد ، لأن موقفه من الإنسان كان موقف عقدة ، لا حالة طارئة ، وهذا ما يكشفه موقفه المستقبلي من الإنسان ، حيث يفكر بإلحاق الأذى به في كل مكان وزمان.
* * *
إمهال إبليس إلى الوقت المعلوم
(قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أمهلني إلى آخر موعد تتحرك فيه المسؤولية في حياة الإنسان ، وإلى آخر يوم يقف فيه ليواجه نتائج المسؤولية بين يديك. إنه آخر طلب أقدّمه إليك ، فإذا كنت قد عصيتك الآن ، فقد أطعتك في ما مضى كثيرا .. إنها رغبتي الأخيرة ، لأني إذا كنت فقدت الجنة بسبب هذا المخلوق الذي سيمتد في ذريته إلى وقت طويل ، فلا تحرمني فرصة الثأر لنفسي منه ، واستجاب الله دعاءه ، لا لكرامة منه عليه ، ولكن لأن رغبته تلك التقت بالحكمة الإلهيّة التي شاءت أن يعيش الإنسان حركة الإرادة والاختيار من مواقع الصراع بين الخير والشر ، والحق والباطل ، تماما كما أراد لأبيه آدم أن يكون كذلك ، فلا بد من عنصر يثير الإحساس بالشرّ ويقوّيه في نفسه ، في مواجهة العنصر الذي يثير الخير فيها وينمّيه ، ليختار الخير من موقع القناعة ، ويرفض الشرّ من موقع وعيه للعناصر التي تقوده إليه ، ومقاومته لتأثيرها في موقفه .. وإذا اختار الشرّ ، فإنه يختاره من موقع الإرادة التي تتحمل
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
