ولكن لماذا بيّن الله لنا هذه الحقيقة التكوينية؟
لعل السبب في ذلك أن إبليس كان من الجن ، كما شرح الله لنا في آية أخرى ، وأن شعوره بامتياز مادّة خلقه وهي النار على التراب الذي هو مادة خلق الإنسان ، هو الذي جعله يرفض الأمر الإلهي بالسجود للإنسان.
* * *
الأمر بالسجود لآدم
(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ) كملت خلقه حتى تمّت صورته (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) توحي كلمة النفخ بوجود تجويف داخليّ ، لأن معنى النفخ إدخال الهواء في الجسم بفم أو بغيره ، وتوحي كلمة (روحي) بقدرة الله الذي أبدع الروح في داخل جسم الإنسان ، كقوّة مستقلة في ذاتها عن البدن ، ولكنها تتصل به لتحرك فيه الحياة ، ثم تنفصل عنه ـ بعد ذلك ـ لتموت فيه الحركة والحياة. (فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) لأن هذا المخلوق يتميز بصفات تجعله في موقع متقدم عن غيره من الموجودات ، لحملة رسالاتي ، وقيامه بعبادتي ، وإرادته شؤون بناء الحياة على الأرض خلافة لي ، وتحكيمه الإرادة القويّة في عملية الاختيار بين الخير والشر في عملية المواجهة والصراع وغير ذلك من الأمور التي تجعل منه مخلوقا مميّزا ، مما يفرض على الملائكة أن يسجدوا له ، تحيّة لله وخضوعا ، أو يسجدوا لآدم ، تعبيرا عن خضوعهم لما يريد الله أن يخدموا به مصالحه التي أوكل الله إليهم أمرها كما يحتمل بعض المفسرين. وعلى كل حال ، فإنه أمر إلهيٌّ لا بد من إطاعته ، كأيّ أمر آخر ، وليس للملائكة الاعتراض ، أو السؤال عما لا يريد الله أن يعرّفهم به. وهكذا وقف الملائكة وقفة الخضوع لله (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) لم يتخلف منهم أحد عن هذه الفريضة (إِلَّا إِبْلِيسَ) الذي كان يعيش في مجتمع الملائكة كأيّ واحد منهم ، وهكذا كان الأمر متوجها إليه ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
