ولكن الإجابة عنها غير موجودة بشكل كاف يشفي الغليل ويرفع الحيرة. لذا يحسن أن نترك أمرها إلى الله ، لأنها في دائرة الغيب الذي احتفظ به لنفسه ، ولم يعرّفنا تفاصيله ، ولم يكلفنا معرفته ، لعدم امتلاكنا وسائله.
(وَالْأَرْضَ مَدَدْناها) في هذا الامتداد المنبسط طولا وعرضا الذي جعلها صالحة للحياة وللسكنى ، وللزرع ولغير ذلك ، ولو لا ذلك لما استطاع الموجود الحيّ أن يتحرك أو يحيى فيها بسهولة ، (وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ) ثابتة في أعماقها ، لتمنعها من الاهتزاز ، وهي الجبال الشامخة (وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) على أساس التقدير الذي يراعي الحاجة بشكل دقيق ، من حيث الخفة والثقل ، فلكل شيء أودعه الله في الأرض من النبات وغيره ، ميزان دقيق يوازن بينها وبين ما تحتاجه الحياة والإنسان ، فلا يزيد شيء عن الحاجة ، ولا ينقص عنها ، ولكل شيء منها تقديره الذي يتحقق فيه التناسب والانسجام بين الأمور ، ضمن النظام الذي يحكم الأشياء بالحكمة والتقدير ، (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) مما تأكلون وتشربون وتحفظون به حياتكم (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) من مخلوقات سخرناها لكم دون أن نجعل رزقها عليكم ، كالحيوانات وغيرها ، بل تكفلنا برزقها.
في هذا العرض السريع ، حيث تلتقي العظمة بالنعمة ، وتنطلق الحياة ضمن نظام متوازن زاخر بالروعة والجمال ، ويتحرك الإنسان في رعاية الله وحمايته التي تدبر كل شؤونه وأموره ، حتى يشعر بأن الحياة كلها له ، وفي خدمته ، ليشكره على ذلك من موقع الإحساس بضرورة الانسجام في حركته مع النظام الكوني الذي أراد الله أن لا يسيء إليه الإنسان ، بالانحراف عن غاياته ومقاصده ، وهكذا نجد في هذا الجو الكوني ما يدفع الإنسان إلى الشعور بالروحانية الفيّاضة بالرحمة واللطف الإلهيين ، ليرتبط بالله أكثر ، إحساسا بارتباط كل وجوده به ، في كل شيء ، ومع كل شيء. وبذلك يلتقي ، في داخله ، جانب الإحساس ، بجانب التصور في حالة مشرقة من وضوح الرؤية وسلامة الشعور.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
