وإذا كان السلام هو طابع هذا البلد الذي أراده إبراهيم له ، فلا بد لهذا السلام من أن يرتكز على قاعدة في الروح وفي الفكر ، وأي قاعدة أعظم تأثيرا في النفس ، وأكثر قوة على الثبات ، من توحيد الله ورفض عبادة غيره ، لأنها القاعدة التي تخطّط للإنسان المنهج الذي تنطلق منه كل مشاريعه العامة والخاصة ، في علاقاته بالحياة وبالآخرين ، حيث يتأكد شعوره بالتقوى في كل شيء ، في أجواء العقيدة الرافضة لشرك الفكر والانتماء ، وفي أجواء العمل الرافض لشرك العبادة ، وهذا ما عبّر عنه إبراهيم عليهالسلام ـ في ما حكاه الله عنه ـ بقوله:
(وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) ، حيث تمثل عبادة الأصنام استجابة لتسويلات الشيطان وما يثيره ، في مكامن الذات ومشاعرها الحميمة ، من دافع للانسجام مع الجو العام الذي يسيطر عليه الشرك ، بطريقة تجعل الأجواء الخارجية البعيدة عن الحق مسيطرة على الآفاق الداخلية للذات ، فتنحرف عن الخط المستقيم ، طلبا لرضى أو تأييد هذا الفريق أو ذاك ، وهذا الشخص أو ذاك ، لأنهم يملكون السلطة والمواقع الاجتماعي المتقدم الذي تضعف مقدرة الذات على الرفض أمامه إلا إذا توفر لها تأييد الله ورعايته له ، وهو أمر يتحقق بالابتهال إليه أن يمنح الإنسان القوّة في الموقف الرافض الحاسم ، كما يمنح بنيه في الحاضر والمستقبل مثل هذه القوّة في مواجهة كل شرك في العقيدة أو في العبادة ، من دون فرق بين الأصنام البشرية أو الحجرية أو الخشبية ، أو غير ذلك مما اعتاد الناس على عبادته والارتباط به على كل مستوى من مستويات العلاقة النفسية والعملية.
(رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) ممن كانوا لا يملكون الوعي المنفتح على حقائق الحياة ، ولا يدققون في الأفكار المطروحة عليهم ، فلا يلتفتون إلى الخرافة وهي تتحرك في هذه الفكرة أو تلك ، تضخيما لبعض الأشخاص أو
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
